بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٣كتاب الطهارة من النجس
213
قوي كما ترى، فإنَّه لو كان الدم هو السبب في تحريم الميتة لما كانت ترتفع الحرمية عن الحيوان بالذكاة، وتبقى حرمية الدم الذي لم ينفصل بعد عن المذكاة، وكانت الحليّة إنما توجد بعد انفصال الدم عنه؛ لأنه إذا ارتفع السبب ارتفع المسبب الذي يقتضيه ضرورة، لأنَّه إن وجد السبب والمسبب غير موجود فليس له هو سببًا، ومثال ذلك: أنه إذا ارتفع التحريم عن عصير
العنب وجب ضرورة أن يرتفع الإسكار وإن كنا نعتقد أن الإسكار هو
التحريم. وأما من استثنى من ذلك ميتة البحر، فإنَّه ذهب إلى الأثر الثابت في ذلك من حديث جابر، وفيه: «أنَّهم أكلوا من الحوت الذي رماه البحر أياما وتزوّدوا منه، وأنهم أخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسن فعلهم، وسألهم: هل بقي منه شيء؟» (37) وهو دليل على أنه لم يجوز لهم؛ لمكان ضرورة خروج الزاد عنهم. واحتجوا أيضا بقوله الله: «هُوَ الطهور ماؤه الحل
وو (38) و (39) ميتته)
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
وأما أبو حنيفة فرجّح عموم الآية على هذا الأثر، إما لأن الآية مقطوع بها، والأثر مظنون، وإما لأنَّه رأى أنَّ ذلك رخصة لهم (أعني: حديث جابر)، أو لأنَّه احتمل عنده أن يكون الحوت مات بسبب، وهو رمي البحر به إلى الميتة هو ما مات من تلقاء نفسه من غير سبب خارج
الساحل؛
لأنَّ
(40)
و لاختلافهم في هذا أيضًا سبب آخر، وهو احتمال عودة الضمير في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَنَعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (41) أعني: أن يعود على البحر أو على الصيد نفسه، فمن أعاده على البحر: قال طعامه هو الطافي، ومن الصيد قال: هو الذي أُحلّ فقط من صيد البحر (42)، أنَّ الكوفيين أيضا تمسكوا في ذلك بأثر ورد فيه تحريم الطافي من السمك (43)، وهو عندهم
ضعيف (44).
مع أنَّ
أعاده على