بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣كتاب الطهارة من النجس
233
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمر أنَّه قال: «ارتقيت على ظهر بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا لحاجته على لبنتين مستقبلًا الشام مستدبرًا القبلة» (182). فذهب الناس في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب أحدها: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح والثالث: مذهب الرجوع إلى البراءة الأصلية إذا وقع التعارض وأعني بالبراءة الأصلية: عدم الحكم. فمن ذهب مذهب الجمع حمل حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحارى وحيث لا سترة، وحمل حديث ابن عمر على السترة، وهو مذهب مالك (183). ومن ذهب مذهب الترجيح رجح حديث أبي أيوب (184) لأنَّه إذا تعارض حديثان، أحدهما فيه شرع موضوع، والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم، ولم يُعلم المتقدّم منهما من المتأخر؛ وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع؛ لأنّه قد وجب العمل بنقله من طريق العدول، وتركه الذي ورد أيضًا من طريق العدول يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم، ويمكن أن يكون بعده، فلم يجز أن نترك شرعًا تو تحول بعده،
وجب العمل به بظنّ لم نؤمر أن نوجب النسخ به إلا لو نقل أنَّه كان بعده، فإنَّ الظنون التي تستند إليها الأحكام محدودة بالشرع، أعني: التي توجب رفعها أو إيجابها وليست هي أي ظنِّ اتَّفق، ولذلك يقولون: إنَّ العمل ما لم يجب بالظن وإنّما وجب بالأصل المقطوع به، يريدون بذلك الشرع المقطوع به الذي أوجب العمل بذلك النوع من الظنّ، وهذه الطريقة التي قلناها هي طريقة أبي محمد بن حزم الأندلسي، وهي طريقة جيدة مبنية على أصول أهل الكلام الفقهي، وهو راجع إلى أنَّه لا يرتفع
بالشك ما ثبت بالدليل الشرع
(140)
على
وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض، فهو مبني أنَّ الشك يُسقط الحكم، ويرفعه، وأنه كلا حكم، وهو مذهب داود