بداية المجتهد ونهاية المقتصد: مع الراجح بين آراء المذهب الإباضي وفقه المذاهب الإسلامية محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي أبو الوليد

بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٣١٩

كتاب الصلاة

319

وأما المعارض لهذا فحديثان ثابتان متفق عليهما، أحدهما: حديث

عبادة بن الصامت أنَّه الله قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة

الكتاب»

(492)

والسلامي

وحديث أبي هريرة أيضًا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج» ثلاثا (493) و (494). وحديث أبي هريرة المتقدّم ظاهره أنه يجزئ من القراءة في الصلاة ما تيسر من القرآن وحديث عبادة وحديث أبي هريرة الثاني يقتضيان أنَّ أم القرآن شرط في الصلاة، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيْسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ (495) يعضد حديث أبي هريرة المتقدم.

والعلماء المختلفون في هذه المسألة: إما أن يكونوا ذهبوا في تأويل هذه الأحاديث مذهب الجمع، وإما أن يكونوا ذهبوا مذهب الترجيح، وعلى كلا القولين يتصور هذا المعنى. وذلك أنّه من ذهب مذهب من أوجب قراءة ما تيسر من القرآن له أن يقول: هذا أرجح؛ لأنَّ ظاهر الكتاب يوافقه، وله أن يقول على طريق الجمع: إنه يمكن أن يكون حديث عبادة المقصود به نفي الكمال لا نفي الإجزاء، وحديث كتب الافت

أبي هريرة المقصود منه الإعلام بالمجزئ من القراءة، إذا كان المقصود

منه تعليم فرائض الصلاة (496).

ولأولئك أيضًا أن يذهبوا هذين المذهبين بأن يقولوا: هذه الأحاديث أوضح؛ لأنها أكثر، وأيضًا فإن حديث أبي هريرة المشهور يعضده وهو الحديث الذي فيه: يقول الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي، ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: الحمد الله ربّ العالمين يقول الله: حمدني عبدي … (497) الحديث (498)، ولهم أن يقولوا أيضا إنَّ قوله الله: «ثُمّ اقرأ ما تيسر معكَ مِنَ القرآن» مبهم، والأحاديث الأخر معيّنة، والمعيّن يقضي على المبهم، وهذا فيه عسر،