بداية المجتهد ونهاية المقتصد: مع الراجح بين آراء المذهب الإباضي وفقه المذاهب الإسلامية محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي أبو الوليد

بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٠٧

كتاب الصلاة

407

والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة (1157)، وذلك أنَّه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكرّرها وتكرّر وقوع أسبابها غير منسوخة، ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن خلفًا عن سلف، وهو أقوى من عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة، لأنَّ أهل المدينة أحرى ألا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل (1158). وبالجملة: العمل لا يُشكّ أنَّه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول، إن وافقته أفادت به غلبة ظنّ، وإن خالفته أفادت به ضعف ظنّ، فأما هل تبلغ هذه القرينة مبلغًا تردّ بها أخبار الآحاد الثابتة ففيه نظر، وعسى أنها تبلغ في بعض ولا تبلغ في بعض؛ لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها، وذلك أنَّه كلّما كانت السنة الحاجة إليها أمس؛ وهي كثيرة التكرار على المكلفين، كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولاً أو عملًا فيه ضعف، وذلك أنَّه يوجب ذلك أحد أمرين: إما إنَّها منسوخة، وإما أنَّ النقل فيه

اختلال، وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره (1159).

وأما الجمع في الحضر للمريض، فإنَّ مالكًا أباحه له إذا خاف أن يُغمى عليه، أو كان به بطن (1160)، ومنع

ذلك الشافعي

(1171)

والسبب في اختلافهم: هو اختلافهم في تعدّي علة الجمع في السفر، أعني: المشقة، فمن طرد العلة رأى أنَّ هذا من باب الأولى والأحرى، وذلك أنَّ المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشدّ منها على المسافر، ومن لم يعد هذه العلّة وجعلها كما يقولون قاصرة، أي خاصة بذلك الحكم من دون غيره، لم يُجز ذلك.