بداية المجتهد ونهاية المقتصد: مع الراجح بين آراء المذهب الإباضي وفقه المذاهب الإسلامية محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي أبو الوليد

بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٠

50

بداية المجتهد ونهاية المقتصد 12

إحداهما على ظاهرها أدلّ من الثانية على ظاهرها أيضًا، جعل ذلك من

الواجب المخيّر؛ ككفّارة اليمين وغير ذلك، وبه قال الطبري وداود. وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض أجودها أنّ ذلك عطف على اللفظ لا على المعنى إذ كان ذلك موجودًا في كلام العرب، مثل قول

الشاعر:

لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقَطْرِ

بالخفض، ولو عطف على المعنى لرفع «القطر».

وأما الفريق الثاني، وهم الذين أوجبوا المسح، فإنّهم تأوّلوا قراءة النصب على أنها عطف على الموضع، كما قال الشاعر:

فلسنا بالجبال ولا الحديدا

وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه الله، إذ قال في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء: «وَيْلٌ للأعقاب من النار» قالوا: فهذا يدلّ على أنّ الغسل هو الفرض؛ لأنّ الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب، وهذا ليس فيه حجّة؛ لأنّه إنّما وقع الوعيد على أنّهم تركوا أعقابهم من دون غسل، ولا شكّ أنّ من شرع في الغَسل ففرضه الغسل في جميع القدم، كما أنّ من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخيّر بين الأمرين.

وقد يدل هذا على ما جاء في أثر آخر خرّجه أيضا مسلم أنه قال: فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى ويل للأعقاب من النار». وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدلّ على جوازه منه على منعه؛ لأنّ الوعيد إنّما تعلّق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل

سکت عن نوعها وذلك دليل على جوازها.