بداية المجتهد ونهاية المقتصد: مع الراجح بين آراء المذهب الإباضي وفقه المذاهب الإسلامية محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي أبو الوليد

بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٨

58

بداية المجتهد ونهاية المقتصد 12

ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط ولم يستحبّ مسح البطون، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وسفيان وجماعة. وشدّ أشهب فقال: إنّ الواجب مسح الباطن أو الأعلى أيهما مسح، والأعلى مستحبّ.

وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، وتشبيه المسح بالغسل، وذلك أنّ في ذلك أثرين عارضين:

أحدهما: حديث المغيرة بن شعبة وفيه: «أنه صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى الخُفٌ

وباطنه».

والآخر: حديث علي: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بالرَّأي لكانَ أَسْفَلُ الخُفْ أَوْلَى

بالمَسْح مِنْ أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظاهر خُفَّيه». يمسح فمن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين حمل حديث المغيرة على

الاستحباب، وحديث عليّ على الوجوب، وهي طريقة حسنة.

ومن ذهب مذهب الترجيح مذهب الترجيح أخذ إما بحديث علي، وإما بحديث المغيرة، فمن رجّح حديث المغيرة على حديث عليّ رجّحه من قبل القياس، أعني: قياس المسح على الغسل، ومن رجّح حديث علي رجّحه من قبل مخالفته للقياس أو من جهة السند والأسعد في هذه المسألة هو مالك. وأما من أجاز الاقتصار على مسح الباطن فقط فلا أعلم له حجّة؛ لأنه لا هذا الأثر اتبع، ولا هذا القياس استعمل، أعني: قياس المسح على الغسل.

المسألة الثالثة وأمّا نوع محلّ المسح، فإنّ الفقهاء القائلين بالمسح اتفقوا على جواز المسح على الخفّين واختلفوا في المسح على الجوربين، فأجاز ذلك قوم، ومنعه قوم، وممن منع ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة،

وممن أجاز ذلك أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري.