بداية المجتهد ونهاية المقتصد: مع الراجح بين آراء المذهب الإباضي وفقه المذاهب الإسلامية محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي أبو الوليد

بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٨٦

86

بداية المجتهد ونهاية المقتصد 12

والسبب في اختلافهم أنّه لمّا أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط وبول وريح ومذي؛ لظاهر الكتاب، ولتضافر الآثار بذلك؛ تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات

أحدها: أن يكون الحكم إنّما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما راه مالك رحمه لله.

الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنّما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن، لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنّما يؤثر فيها

النجس.

والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم أيضًا إنّما علق بها من جهة أنّها خارجة من هذين السبيلين فيكون على هذين القولين الأخيرين ورود الأمر بالوضوء من تلك الأحداث المجمع عليها إنّما هو من باب الخاص أريد به العام، ويكون عند مالك وأصحابه إنّما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه، فالشافعي وأبو حنيفة اتفقا على أنّ الأمر بها هو من باب الخاص أريد به العام، واختلفا أي عام هو الذي قُصِدَ به؟ فمالك يرجّح مذهبه بأنّ الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه حتى يدلّ الدليل على غير ذلك. والشافعي محتج بأنّ المراد به المخرج لا الخارج، باتّفاقهم على إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل، وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرج من فوق، وكلاهما ذات واحدة (170).

والفرق بينهما اختلاف المخرجين فكان هذا تنبيها على أن الحكم

للمخرج وهو ضعيف؛ لأنّ الريحين مختلفان في الصفة والرائحة. وأبو حنيفة يحتج لأنّ المقصود بذلك هو الخارج النجس؛ لكون النجاسة مؤثّرة في الطهارة وهذه الطهارة وإن كانت طهارة حكمية فإنّ فيها