بداية المجتهد ونهاية المقتصد: مع الراجح بين آراء المذهب الإباضي وفقه المذاهب الإسلامية محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي أبو الوليد

بداية المجتهد ونهاية المقتصد وما ترجح عند الإباضية - المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٨٩

كتاب الطهارة / الوضوء

89

(197)

حتى

وأصل اختلافهم في هذه المسألة: اختلاف الآثار الواردة في ذلك، وذلك أنّ هاهنا أحاديث يوجب ظاهرها أنّه ليس في النوم وضوء أصلا، كحديث ابن عباس: أنّ النبي صلى الله عليه وسلمدخل إلى ميمونة فنام عندها سمعنا غطيطه (192) ثم صلّى ولم يتوضأ (193). وقوله الله: «إذا نَعِسَ أَحَدُكُمْ في الصلاةِ فَلْيَرْقُدْ حتى يَذْهَبَ عَنْهُ النوم، فإنّهُ لعَلَّهُ يَذْهَبُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ فيَسُبَّ نَفْسَهُ» (194). وما روي أيضا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينامون في المسجد حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلّون ولا يتوضأون (195). وكلّها آثار

ثابتة.

وهاهنا أيضًا أحاديث يوجب ظاهرها أنّ النوم حدث، وأبينها في ذلك حديث صفوان بن عسال، وذلك أنه قال: «كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا خفافنا ننزع من غائط وبول ونوم، ولا ننزعها إلَّا من جنابة». فسوّى بين البول والغائط والنوم، صححه الترمذي (19).

ألا

ومنها حديث أبي هريرة المتقدم، وهو قوله: «إذا استيقظ أحدُكُمْ مِنْ نومه فليغسل يَدَهُ قَبلَ أن يُدخلَهَا في وضوئه»، فإنّ ظاهره أن النوم يوجب الوضوء قليله وكثيره، وكذلك يدلّ ظاهر آية الوضوء عند كان من عنده المعنى في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلوة (198)، أي: إذا قمتم من النوم على ما روي عن زيد بن أسلم"

وغيره من

(200)

السلف (200

(199)

فلما تعارضت ظواهر هذه الآثار ذهب العلماء فيها مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع. فمن ذهب مذهب الترجيح: إما أسقط وجوب الوضوء من النوم أصلا على ظاهر الأحاديث التي تسقطه (201)، وإما أوجبه من قليله وكثيره على ظاهر الأحاديث التي توجبه أيضا (202)، أعني: على

حسب ما ترجّح عنده من الأحاديث الموجبة أو من الأحاديث المسقطة.