فصول من تاريخ ليبيا الثقافي
الجزء ١ · صفحة ١٦٩صلى الله عليه وسلم السفر ذات عاهات ومحن شاقات، لقوله: وحُقَّتِ الجنة بالمكاره وحفت النارُ بالشهوات لأن جنة المعارف محفوفة ببلايا ومحن ومصائب، فإن توجه إليها أبناء الدنيا تعرضت إليهم تلك العوارض وانقلبوا إلى شهوة الدار الفانية لأنهم لا يستطيعون اقتحام المحن أصلاً.
والعارفون اقتحموا البلايا والمحن والمصائب لأن مذاقها يعذب عندهم فإن قيل كيف تعذبُ المرارة؟ وكيف تعود الصعوبة سهولة؟ أقول: من لم يعرف أسرار الأشياء يغرب عنه عملها، ولا يدخل جنة المعارف حتى يُطَهِّر جوارحه الظاهرة [من] المعاصي، ويُطَهِّر قلبه من (أسلاب) (1) حب الدنيا مثل الكفر، والعجب، والغضب، والحسد، وحب الجاه بالغيوب (2)، وإظهار الحكمة وتنقيص عوام المسلمين حتى يرى نفسه أكرم منهم، وما أشبه ذلك من مزبلة القلوب - عياد الله من
ذلك -
ومراصد الشيطان كثيرة يعسر حصرها، وقلّ (3) مَنْ يسلم مِنْ رمايته إلا من حقه الحق بعنايته ودخل تحت قوله عز وجل: وإِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان. [الحجر 42 والإسراء 65].
فكن عبد الله تسلم ولا تشرك بعبادته أحداً، لأن من أحب شيئاً كان له عبداً؛ فلا تجعل عبوديتك إلا للواحد) (4) وجنة المعارف لا يدخلها إلا [من] هو طاهر. ومن لم يكن طاهراً دُفعَ في قفاه حتى يبتعد عنها، ولو رأه أهلاً لها ما دفعه عنها، لأن لكل منزل ساكناً ولكل طريق سالكاً.
وعليك يا أخي بالاشتغال بالعلم النافع وهو علم القلب؛ لأن علم اللسان
(1) في الأصل إنسلاب».
(2) لعله يعني دعاة الولاية الذين يوهمون الناس بمعرفة المغيبات.
(3) في الأصل: قبل.
(4) الأصل غير واضح.
169