فصول من تاريخ ليبيا الثقافي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠وهذه نظرة ناقد عالم يعرف للبحث العلمي أصوله وأمانته، وهي كفيلة بأن تجعل أي أثر تاريخي تركه الرجل محل ثقة واعتبار الباحثين. وتعرضت الرسالة إلى الصعوبات التي كان يلاقيها الأديب في هذه البيئة، وتنعكس بالتالي على صعوبة عمل من كرسوا جهودهم لجمع نتاجه الأدبي، فهو يرى أن الشاعر كان في ضائقة مادية ومعنوية تشغله عن التفكير في الكتابة، فإذا كتب فإنه يحذر الحذر كله من رقابة المستعمر ويحتاط من جبروته وسطوته التي تمنع حرية التفكير والتعبير، ولذا نرى الكاتب يؤكد على أن الحرية هي الشرط الأول لأي نهضة أدبية مأمولة: فعلية أرى أول شرط يتعين على من يريد أن ينشر أثره حرية الفكر والتعبير عن رأيه بكل صراحة ووضوح.
ثم يخلص إلى القول بأن الشعر لم ينضج في بلادنا نضوجاً يستحق معه النشر إلا ما كان من أدب المهاجرين الذين تمتعوا في غربتهم بما لم يتوفر لإخوانهم المقيمين من حرية وتعليم.
أما أسلوب الرسالة فهو ذلك النمط السائغ الخالي من أثقال الصنعة وركاكة أساليب عصر الانحطاط وقد أحسن الأستاذ جبران حين صنف الشاعر ضمن جماعة المرحلة الثانية من مراحل النثر في بلادنا، وفيها يتخلص هذا الفن من إسفاف النمطين المذكورين (1)
كما يمتاز أسلوب الرسالة بحسن التضمين بالأمثال والأشعار المتقنة الاختيار، وبجزالة الألفاظ في غير ما غرابة وتكلف وبالقدرة على التعبير عن جمهرة من العواطف والأفكار والشجون على أن غاية البلاغة في الرسالة هو اختتامها بكلمة (ويا ليتهم) وفيها من حسن الاكتفاء وتعمية المراد، جعلها في أمكن موقع من النفس وأطيبه.
(1) محمد جبران المصدر السابق، ص 52 وما بعدها.
250