فصول من تاريخ ليبيا الثقافي عبد الحميد عبد الله الهرامة

فصول من تاريخ ليبيا الثقافي

الجزء ١ · صفحة ٢٨٨

لتوثيق هذه الخبرات ودراستها في ضوء العلم الحديث والإفادة منها علمياً. (د) ولا بأس أن نذكر أن من عادة بعضهم أن يلجأ إلى «التسبيب». وربما كان هو العلاج الوحيد في نظرهم لكثير من الأمراض، ومنهم من يعالج بزيارات

الأولياء، وقد يشمل التدوين جمع التمائم المكتوبة وأسماء المزارات. ونحن في ذلك كله نسجل واقعاً تاريخياً لا مأخذ في تسجيله. بل إن الوقوف على طرق العلاج الشعبي واستيضاح بيان كيفياتها من المهرة الذين كانوا يمارسونها أمر ضروري للغاية. فإذا لم يكن لهذا التدوين من أهمية غير توجيه عناية الأجيال القادمة إلى ما كان عليه أجدادهم في غياب انتشار الحضارة

الحديثة لكفاه.

ولكن العلم قد يصل من بعض هذه الأشياء التي يتداوى بها الليبيون إلى نتائج أخرى تدفعه خطوة أو خطوات إلى الإمام فليس لنا أن نستهين بخبرات السابقين وإن تواضعت وسائلهم ولم يصل علم الطب إلى نهاية النجاح الذي لا مزيد عليه حتى نصرف النظر عن تطويره.

ومن الطب إلى الفلك، فقد سأل رجل أعرابية عن معرفتها بالنجوم فقالت: سبحان الله أما أعرف أشباحاً وقوفاً علي كل ليلة» (1) وهذا القول كان ينطبق على غالبية الشعب العربي في ليبيا في البيئة البدوية بخاصة، فهو يستدل بالنجوم في سيره ويعرف الأنواء والرياح والمواسم الباردة والحارة والمعتدلة، ويطلق الأسماء المختلفة على هذه المتغيرات لتشمل كل فصول وشهور السنة. مثل أيام العنصرة والزعفرانيات والليالي السود والبيض وغيرها.

كما يعرف الفلاحون والرعاة الأمطار وفوائدها وأضرارها أحياناً، وقد

عملوا على الاستفادة من هذه المعارف في مجالي الزراعة والرعي. وقد أضاف الشعب إلى تجاربه الخاصة ما توارثته الأجيال من معلومات مكتوبة عن الفلك حتى إنني سمعت من غير واحد أن العالم الذي لا يعرف متى

(1) الحيوان للجاحظ 30/ 6

288