أدب السجون والمنافي في الجزائر: في فترة الاحتلال الفرنسي (1830-1962م) يحيى الشيخ صالح

أدب السجون والمنافي في الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

161

---

أما عبد الرحمن بلعقون فانه عندما تهيج مواجده ويتذكر زوجته يطالبها بالوفاء متعهدا أنه سيقى وفيا مقدرا جميلها مهما حلت به الخطوب و مطمئنا أياها بأن تقلبات الدهر وشدائد السجن لا يؤثران فيه، كل ذلك في أسلوب أسيل الى الفخر و الحماسة على طريقة الشعراء القدامى:

ا أم صلاح الدين أفتي لنا وفا وليس عليك بعده مطلب هـ فاني اذا ما الدهر أبدى تجهما وأوردني السجن الأليم فلا أكبو

سأفنى على العهد القديم مقدرا جميل الوفيا كل ساحل بي خطب

بي

(1)

لكن الشاعر وهو في محنته كان يماني من تنكر بعض الأهل والاقارب

-

له و من هجرهم أياه:

(2)

فماضرني تنكر الاهل والحصى و مارابني هجر و قد حالت القضب و اذاکان موقف بعض الاهل كذلك، فان موقف الشاعر من ذلك هو التحدى ولاشيء غير التحدي:

: (3)

عزيز بعين الشامت الوفد أن يخبو و ماضرني أني سجين وكوكبني

عبد الرحمن بلمقون ليس وحده الذي عانى من تنكر الأهل له وهو سجين

فصفدي زكرياء أيضاعاني من جفاء ذوى القربى أياه، وحز في نفسه أن يجوه أهله وأقربائه في فترة هو أحوج مايكون فيها الى تعاطف و سند معنوي.

في

لكن مفدى، وكما فعل بلعقون، يتحدى ولا يتمالك عن التعبير عن رد فعله بكثير من الحدة والاسهاب، فيرى انه ان جفي فليس عجبا أن يجفى صه، غير انه لا يحقد ولا بادل أقرباء، جفاء بجفاء ا و طنه، و من قبل قومـ بل يراعي القرابة عهدا وان كان يحس بالجفاء يمزق أحشاء، كالسكاكين: و ان جفاني ذوو القربى فلاعب ان النبوة في أوطانها خرق

لازلت أرعى لهم عهدا وان بقيت مثل المدى من جفاهم في المشاحر ق (4)

انه لشعور ممض وقاس أن يعيش السجين الوطني بين اضطهاد الاستعما

وجفاء الأقربين

ر

مفدى لايتوقف عند هذا الحد، بل يستشرف المستقبل ويقرأ سطوره التي لا تستعصي على الفنان المؤمن الصادق ولا تخيب حدسه، فيتنبأ بأن أقاربه

-

(1) و (2) عبد الرحمن بلعقون من وراء القضبان ص 241 (3) المصدر نفسه - ص 242.

(4) مفدي زكرياء - اللهب المقدس - ص 29، وفي البيتين استلهام لصورة .....