أدب السجون والمنافي في الجزائر: في فترة الاحتلال الفرنسي (1830-1962م) يحيى الشيخ صالح

أدب السجون والمنافي في الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

H

- 190 ·

عنها وكأنها فعلا هي ما ترمز اليه نفسه، متناسين أنها ليست إلا أشجارا ككل ماترمز هي

الاشجار

، يقول بلعقون:

وانسي

أنها

Y

لأذكر حتى تملك الشجيرات الثلاث التي تملأ علينا الرحبة بهجة بخضرتها وقد جئنا لنحمل جمرار الماء لنسقيها كلها فلا تبغض واحدة منها ولو كانت تحمل اسما بغيضا، على أنها كانت تحمل اسماء اصطلحنا عليها، فكبراها تمثل الاستعمار بقوتها البارزة التي كأنها تتحدّى رفيقتيها في كبرياء وعظمة وجبروت و بامتداد فروعها التي بدأت تشرف وتتهدل، فترشد بمنظرها ذلك الى مهما كان أميرها - آيلة الى الاصفرار فالشحوب فالتحطيم، وصغراها تمثل الشباب الجزائري بنضارتها و سموقها وانفلات اغصانها نحو فضا الطبيعة تطلعا الى الحياة الطليقة و اشتياقا الى الحرية، و وسطاهن نموذج الشيوخ من الشعب الجزائرى الذين انهكهم الجور والظلم، و اضناهم الالم والحرمان، فانتبذوا زاوية من الحياة بين اليأس والرجاء، مهيضي الاطراف مشذبي الاغصان، لا يحيي من عروقهم يزيش من أغصانهم الاماء الحرية العذب النمير 400) هكذا يعايش أولئك السجناء تلك الاشجار وكأنهم يعايشون من تمثله في مخيلاتهم، فيشعرون بانتعاش الاصل وتقوة الحياة واشراقة المستقبل وعمق التحدى عندما يتأملون شجرة الشباب، وينتابهم احساس بالعطف والشفقة عندما يلحظون ما على شجرة الشيوخ من ذبول وضعف نتيجة الحرمان وقسوة الحياة في ظل الاستعمار، أو في ظل شجرة الاستعمار التي تشابكت اغمائها في فوضى مغطية شجرة الشيوخ ومانعة نور الشمس والهواء من الوصول اليها، وعندما يصرفون النظر الى شجرة * الاستعمار " يجدون متعة في تأمل فروعها التي بدأت تتهدل وتؤوب الى الفناء بعد أن تسلطت على الأخريين، وكأن ما يطرأ عليها يطرأ بالضرورة على الاستعمار الحقيقي في أرض الواقع.

(1)

و حتى عندما ينقل السجناء الى مكان آخر من السجن أو الى سجن و الي سجن آخر فان علاقتهم العاطفية بأشجارهم تبقى وطيدة، فيتذكرونها و هم بعيدون عنا وبمجرد ما تسنح لاحدهم فرصة الوجود بالقرب منها لا يتردد في القيام بزيارة لها، كما يقوم بزيارة أشخاص يهمه أمرهم، سواء كانوا أعزاء ليسعد برؤيتهم أو أعداء له ليتشفى من أثر الدهر فيهم:

(1) عبد الرحمن بلعقون

وراء القضبان - ص 114.