أدب السجون والمنافي في الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤249
انها صورة صادقة لشاعر لم ير أهله مدة ست سنوات، و اخبار تم لا تصل
اغلب الاحيان، ولا عجب، والحالة هذه، أن تسكنه الهواجس والكوابيس، و
i
تر تسم أمامه صورة ابيه وهو ينظر الى السماء و ينادى اخته بدل أن يناديها حوله
ن
*
*
*
البعداء الجزائريون في البلدان العربية لم يكن ينقصهم اي شي. م متطلبات الحياة العادية، لقد كانوا معززين بين اخوانهم الذين آو و هم و آنسو هم و فتحوا لهم قلو بهم بغيض من المحبة والاخاء والمؤازة والوفاء، لكن كله لم يكن لينسي: الغريب بلاده وأهله، وانما أوقعه في حرج من أمره، فلم يعد يدرى أيبكي الوطن البعيد، أم يمجد البلد المضيف، واصبح نهبا لكلتا العاطفتين، تتنازعاند و تتنازعان الحضور في قصيدته، وعندما يلتقيان تصبح الواحدة مثيرا والثانية هدفا، فكرم الضيافة و الاحسان يثير فيه ذكريات الاهل والاحبة، ومناظر الطبيعة الخلابة في المنفى تثير فيه ذكريات الوطن ومناظره الجميلة، فيقف عند هذه الاخيرة متمليا متمعنا و اصفا اياها بكثير من التلهف والتعلق
•
كان ابو القاسم خمار في حلب سنة 1955، وكان الوقت ربيعا، فأخذ بجماله
و هتاف حمامه و زقزقة شعاريره وقطاه، وسره تفتيح الورود وتسريح الغصون فأنشد
يقول:
هتف الحمام و رفرف الشحرور يشد و بالصفيـ
و تسابقت في الافق أسراب القطا جدلي تطير
والورد فتح شفره للشمس يبسم
بالعبي
و ترنج الغصن الجميل فصفق الورد النضي
(1)
لكن وقوف الشاعر أمام ربيع حلب لا يطول، ان سرعان مايذكره بربيع أحبتر صنع
بلاده و ذکرياته فيها، ويحرك أشواقه الدفينة، فيستعيد ايام الصبا و ابناء بلدته، لذلك بدل ان يثير فيه ربيـ لب شعور بالبهجة والمرح ويستمر في وصف فتنته الذي بدأه في المقطع السابق، اذا به يثير فيه شعورا بالشجن
و اللوعة والاسى:
حقا لقد هاجت بقلبي خفقة نحو الوطن
(1) المصدر السابق ص 17.
-