أدب السجون والمنافي في الجزائر: في فترة الاحتلال الفرنسي (1830-1962م) يحيى الشيخ صالح

أدب السجون والمنافي في الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٨٥

- 369

?

عليها، فلا تفقد الموجوه ملا صحها في ذاكرة السجين، لكن بالنسبة لسجين منفي خارج الجزائر مثل أحمد طالب من المحتمل جدا، بل من الاكيد ان يعيش مأساة امحاء ملامح وجوه ذويه واصدقائه من ذاكرته، لانه لا يمكنهم زيارته بسهولة، فهم بالجزائر، و تحول دون زيارتهم اياه مشکلات وعقبات … ثم ان مدة اربع سنوات ليست بالشيء القليل، وأمام وضع كهذا لا ملجأ للسجين البعيد الاان يطلب صورا فوتوغرافية تشحذ ذاكرته وتزيح عنها الضباب.

الار

انها صورة صادقة لا يشوبها اى افتعال او مبالغة، والذى يعصق خصوصيتها ويؤكد صدق التعبير عنها ومعيشتها من قبل السجين كماصورها، أن السجين عندما طلب الصور الفوتوغرافية كان قد طلب قبلها مزيدا من اخبار الأسرة، لأن السجين يحلو له كثيرا أن يهرب (1) من واقعه المزري الى احضان الذكريات السارة والعلاقات أسرية الحميمة، يسترجعها ويعيش عليها بكثير من البهجة والحبور، لكن هذا الاسترجاع للذكريات يرافقه بالضرورة استرجاع وتذكر للوجوه بملامحها وسحناتها وخصوصياتها، الشيء الذي يصطدم بامحاءها وضبابيتها في ذاكرة السجين، ما يجعل عملية التذكر و الهروب الى المانمي اليمة، أو على الأقل، ناقصة المفعول بدل ان تكون ممتعة سارة، ولا يمكن تلافي ذلك الا بالحيلة التي اهتدى اليها الابراهيمي تحت ضغط الشوق والتوق، وهي طلب الاخبار ومعها الصور الفوتوغرافية التي تجعل من عملية التذكر ومعايشة الذكرينات واخبار الاهل متعة وبهجة.

الا.

ير عبد القادر عاش وضعية تشبه وضعية الإبراهيمي، عندما كا اسيرا و منفيا ببار يس، فقد كانت زوجته بعيده عنه، واشتد شوقه اليها و تمنى لقا، ها، لكنه علم ان ذلك مستحيل، فلم يجد حيلة الا ان يطلب ذلك في المنام، واصبح يتمنى مواعيد النوم ويهرع اليها عمله يظفر بطيف زوجته يزوره، غيران الاحلام ليست عملا اراد يا يمكن التحكم فيه، فربما طال غياب الطيف، مما جعل الامير المنفي ينظم قصيدة مؤثرة يناشد فيها طيف زوجته الحضور اليه في المنام لانه سلواه وكل أصله القائم:

جفاني من ام البنين خيال فقلبي جريح والدموع سجال

احب الليالي كسي افوز بطيفها و ارجو المسنى، بل قد اقول انال

(1) انظر فصل الهروب النفسي الى الحرية *