أدب السجون والمنافي في الجزائر: في فترة الاحتلال الفرنسي (1830-1962م) يحيى الشيخ صالح

أدب السجون والمنافي في الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٨٦

أكلف جفني النوم علي أن أرى مثالا لها يسرى، وليس مثال فقولوا لها ان كنت ترضين عيشتي فجودي بطيف ان يعز ومال (1)

أن تبيرة الصدق لا تخفى في هذه القصيدة، أن لا يستساغ اختلاق مثل تلك التجربة النفسية التي هي من خصوصيات من تجرع مرارة النفي و فراق الاحبة، انها لمأساة مؤثرة ان يطلب الرجل ليف زوجته في المنام، ويتمنى الليل و النوم من أجله، وتتعمق المأساة عندما يتمنع ذلك الطيف ويركن الى الصد والهجران، فلا يجد الزوج المحب الا ان يترجى الظيف ويتوسل اليه ان يجود ولا يمعن في

الهجر و الغياب.

ان ما اسميناه * الادب الذاتي نفيين والمساجين أدب يعبر عن المشاعر والعواطف التي عاشها كتاب وشعراء وراء القضبان أو وراء الحدود، و هي مشاعر تمتاز بالصدق في التعبير عن التجربة التي هي دائما تجربة معيشة مر بها أولئك الكتاب او الشعر. في واقعهم الخاص، ومايؤكد هذا الصدق اتصاف تلك المشاعر بخصوصية ما، نابغة من خصوصية حياة السجن والمنفى، الشيء الذي يجعل من السهل تمييزها عن مشاعر غيرهم من الطلقاء، ويجعل لصدقها دلائل لا يخطئها الادراك، تتمثل في العفوية والتلقائية، والتجرد من الافتعال و المبالغة.

2 - الصدق في التعبير عن الموضوع

:

ادب السجون والمنافي بالجزائر في الفترة الاستعمارية لم يكن كله تعبيرا

عن المشاعر الذاتية والوجدان، بل أن جزءا كبيرا منه ينصب على التعبير عن اشياء وقضايا ومضامين تتصل بالعالم الخارجي أكثر مما تتصل بذات الشاعر و عالمه الشخصي يتجلى ذلك في النصوص أو المقاطع من النصوص التي تتناول قضايا عامة كالثورة و تطوراتها، مثل الحديث عن جيشها ومواقف هيئة الامم منها، و بعضي ذكرياتها البارزة كذكرى اندلاعها التي يتوقف عندها الكتاب والشعراء كل سنة من سنواتها السبع و مثل فضح المخططات الاستعمارية المختلفة لاجهاضها … الى غير ذلك القضايا التي لا تتصل بذات الشاعر وتجاربه الخاصة اتصالا مباشرا.

هذا القسم من أدب السجون والمنافسي لا يمكن دراسة عنصر الصدق فيـ

انطلاقا من الزاوية التي تم الانطلاق منها في القسم الذاتي، لان ما يتناوله الاديب

(1) الامنير عبد القادر - الديوان - ص 75

•