أدب السجون والمنافي في الجزائر: في فترة الاحتلال الفرنسي (1830-1962م) يحيى الشيخ صالح

أدب السجون والمنافي في الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٩٠

-

374

بالكذب أو التهويل، فلنتريست ولندقق النظر، هل صدر تصويره الحاد القوى عن تهويل او هو صدر عن احساس صادق، ولكن هذا الاحساس يزيد في حدته وتعمقه عما نقدر عليه في حياتنا العادية - (1)

4

ان حياة المساجين والمنفيين لم تكن عادية ابدا، ولاضرورة للتذكي

بعناصر الخصوصية والتفرد فيها، فل لقصول السابقة من البحث كلها تؤكد ذلك و تقدم صورة متكاملة عنه، وبنظرة عامة، فقوام هذه الحياة ظروف متردية معيشيا، وموقف فكرى وطني رافض، عمقته واكسبته حدة ومضاء تلك الظروف ومافيها من تحديات

دلائل ذلك كثيرة، تتمثل في حركات التمرد التي كان يقوم بها أولئك

المعتقلون، من اضرابات الجوع، و اعلان العصيان، والاحتجاجات الجماعية مثل تلاوة القرآن الكريم بصوت عال، وترديد الاناشيد الوطنية الحماسية … إلى غير ذلك صما يثير قلق السلطات الاستعمارية ويثير اعصابها.

ولعل من احسن الامثلة على ذلك التحدي والشعور الوطني الحاد الذى

يمستاز به المعتقلون (والذي نجد صورة عنه في ادبهم ما قام به مفدى زكرياء في. سجن بربروس، عندما أقدم على كتابة نشيد العلم - الذي نظمه بزنزانة ـــ بدمه الذي اتخذه حبرا، قصد اعدائه الى المجلس الوطني للثورة، لكن زبانية السجن اكتشفوا الامر، فمزقوا الورقة وعاقبوا صاحبها، غير ان ذلك الشعور الوطني الحاد ابي الا ان يحقق أمنيته مرة أخرى، فأعاد كتابته - وهو هارب مستقر بتونس بدمه، بمناسبة الذكرى السادسة لاندلاع الثورة، واهداء الى الحكومة الجزائرية المؤقتة هناك (2)

-

•.590 -

(1) د محمد نويهي وظيفة الادب بيسر الالتزام الفني و الانفصام الجمالي (2) للتاكد من القضية يمكن الرجوع الى تقديم الشاعر للنشيد في اللهب المقدس ص 75، وايضا الى ما اورده الدكتور محمند ناصر في كتابه مفدي زكريا. . . ص 25، مين ان الدكتور محمد العساكر شهد برؤيته النشيد مكتو يابدم الشاعر، اذ كان آنذاك طالبا بتونس، وكل هذه المعلومات تؤكدها مجلة في تعليق لها على النشيد

بعد أن نشرته بخط الشاعر: نظمت في اعماق سجن بر بروس، وكتبت بدم صاحبها على نية اخراجها و ارسالها لمجلس الثورة الجزائرية، و لكن حراس السجن مزقوهافي عملية تفتيش و عاقبوا ناظمها بخمسة عشر يوما عذابا وجوعا في زنزانة الظلام، ها هو شاعر الثورة الجزائر ية يحقق رغبته القديمة ويعيد كتابتها من جديد بدمه ويقدمها هدية لحكومة الجمهورية الجزائر ية بمناسبة الذكرى السادسة للثورة الجزائرية العتيدة.