أدب السجون والمنافي في الجزائر: في فترة الاحتلال الفرنسي (1830-1962م) يحيى الشيخ صالح

أدب السجون والمنافي في الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٩٨

382

-

لقد كتب هذا السجين صباح يوم اعدامه، اى في آخر يوم من حيا ته رسالة الى أهله وذويه، بعد أن تأكد انه ميت لا محالة تقريبا، يحثهم فيها على الصبر و التجلد، و ناظرا الى الحدث من منظور قومي وطني تطفى عليه الذات الجماعية، ويغدو فيه الفرد مجرد خادم للهدف الوطني، يكتسب قيمته من قيمة الهدف، ومن عمق تضحيته بذاته الفردية في سبيل الذات الجماعية، يقول احمد زبانة:

وما الموت في سبيل الوطن الاواجب، وقد أديتم واجبكم حيث ضحيتم

بأعز مخلوق لكم، فلا تبكوني، بل افتخروابي … (1)

انها قيمة التعلق بالذات الجماعية، أن يصل السجين الى تقديم نفسه قربانا

!

للحرية والوطنية، وفوق ذلك ينعي نفسه بتسام فريد، وكأن ما سيحدث شيء عادي جدا، وليس نهاية حياة، وحياة من غير الكاتب نفسه

النظرة المتسامية الى الواقع، نراها ايضا عند محمد قنانش، فاذا اشتد

اضطهاد الاستعمار على الجزائريين، وفتح ابواب الزنزانات والمعتقلات ليزج بهم فيها جماعات جماعات، فان ذلك ليس مما يقلق الفكر، أو يعكر صفو الحياة او يتمنى زواله يعا في فالسجون فيها خير كثير للوطن، بل هي ضرورة لشعب

سر

مستضعف كالشعب الجزائرى، فهي مدرسة يتخرج منها الرجال، وفيها تقر مصائر الشعوب، " من مدرسة السجن تخلق الرجال التي تقلب صفحات التاريخ، وفي ظلمتة يظهر بصيص الحضارة والتمدن، ومن غرفاته تزرع الثورات … هذه هي المدرسة التي يتعلم فيها كل شعب استولت علية الجهالة وغشاه الظلم والاستبداء و حام حوله الفقر والآلام، وبعد عن الحياة بعد السماء عن الارض كشأن شعبنا اليسوم،،. (2)

وما تجدر الاشارة اليه هو ان هذا الكلام كتبه صاحبه في سنة 1938، بسجن بربروس، أي في وقت لم تبزغ فيه بعد الثورة المسلحة، مما يدل على ان اعتناق الذات الجماعية لا يعود الى عامل اندلاع الثورة فحسب أبل هو شعور قوى يعيشه السجين او المنفي تجاه شعبه حتى وان لم يتوفر لدى الشعب في الواقع ما يغرى ذلك السجين او المنفى بتجاوزناته، من تمرد او شورة أو حركة وطنية

(1) انظر جريدة " المجاعد

ع 2

م 35

(2) محمد قمنانش - حزب الشعب الجزائري من 253.