موقعة النهروان وأهواء الموؤرخين لعبد الله القحطاني
الجزء ١ · صفحة ١٠إنَّ خصم علي بن أبي طالب كانا داهيتي العرب عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ، ولقد تمكنا من زرع عملاء لهم في صفوف جيش علي يبثون الفرقة ، ولقد تمكن بعضهم من الوصول إلى أن يكون من قادة جيش الإمام علي وناقلي الأخبار إليه ، ولقد أسهم هؤلاء إسهاماً عظيماً في إذكاء نار الفتنة ، وليِّ أعناق الأحاديث النبوية الشريفة لتكون موجهة لأصحاب النهروان فيكونوا هم الذين حذَّرت منهم الأحاديث الشريفة بأنهم يأتون في آخر الزمان ، يتركون أهل الأوثان ، ويقتلون أهل الإسلام ، يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم ، وما ذلك بغريب فبعد مقتل عمَّار بن ياسر ، وخروج الكثير من جيش معاوية إلى جيش الإمام علي ، بعد أن قرع سمعهم الحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية ) أشاع عمرو بن العاص مقولته (إنما قتله من خرج به) وهكذا تشوهت الحقيقة في أذهان كثير من العامة ، الذين عادوا أدراجهم إلى جيش معاوية.
ولقد بدأت كتابة التأريخ الإسلامي بعد ذلك ، تحت مسمع الدولة الأموية -السلطة الجديدة -وبصرها ، وأهل النهروان ومن بقي منهم هم من كان يرى ضرورة عدم مهادنة جرثومة(12)هذه الدولة ،فسلَّطت عليهم يدها الباطشة ، وإعلامها الهادر عسى أن تأتي عليهم فلا تبقي لهم أثرا ، ولم تكن الدولة العباسية بأرحم من ذلك.
لقد صوِّر أهل النهروان على أنهم الخوارج المتوحشون ، الذين يجب قتلهم واستئصالهم ، وقد أتقنت الدولة الأموية ومِن بعدها الدولة العباسية تتبُّع من بقي من آثارهم ، فتتبعتا كلَّ من رأى عدم شرعيتهما في كلِّ أرض وقطر ؛ وأوسعوا قتلاً وتعذيبا.
لقد صوَّر الكثير من المؤرخين أهلَ النهروان وبقاياهم وحوشاً مسعورةً تتلذذ ببقر البطون وقتل الناس ، فترى بعد تعريف كلِّ واحدٍ منهم (زائغٌ مبتدع) وإن كان صحابياً مجاهدا ، وما هي بدعته ؟ إنَّها لم تكن إلا قوله : لا حكم إلا لله ، ومتى كان هذا القول بدعةً وضلالة؟.