موقعة النهروان وأهواء الموؤرخين لعبد الله القحطاني
الجزء ١ · صفحة ٢٤إننا نؤمن بأن التأريخ الإسلامي من بعد الخلافة الراشدة لحقه تشويه كثير من الأقلام المأجورة ، التي لم تتحرج حتى عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصر رأيها ، أو الاتجاه السياسي الذي تناصره ، ولقد ذكر بعضهم في مقدمات كتبهم أنهم كتبوا ما كتبوا بناء على طلب الوالي أو الخليفة أو الوزير الفلاني ، واسمع إلى المبالغات في الألقاب التي يهيلونها على هؤلاء الساسة والتي تصل إلى حدِّ الغلو ، فهل يتصور عاقل أن المُدَوَّن في هذه الكتب سيكون فيه ما يسيء إلى صاحب الطلب ؟!(ولقد حفظ التأريخ أخباراً كثيرة شاهدة على ذلك ، لعل أوَّلها الحملة التي قادها معاوية بن أبي سفيان بنفسه وجنَّد لها جنوده ، من محدِّثين وقصَّاصين ، ليصنعوا مناقب لبعض رجال الصحابة يقابلون بها سيرة الإمام علي بن أبي طالب ومناقبه ، وهذا أمر مشهور نقله (علي بن محمد المدائني) مفصَّلا في كتاب (المغازي والسيرة النبوية) ، ونقل عن الإمام محمد الباقر بتفصيل أقل وأوجزه (نفطويه) و(الطبري) و(ابن الأثير) بجملة أو جملتين .. وبهذا حُمِّل التاريخ صوراً دخيلة عليه ، وبتأثير مباشر من السلطة.
ومن تلك الأخبار ، ومن أكثرها دلالة ، ما هو واضحٌ جداً في مغازي الزهري ، والزهري قد حدَّث بنفسه أنَّ أمير مكة خالد القسري قد أمره بكتابة المغازي والسيرة ، قال : فقلت له : إنَّه يمرُّ بي الشيء من سيرة عليّ بن أبي طالب فأذكره ؟ قال : لا إلا أن تراه في قعر الجحيم!
فإذا قرأت الآن مغازي الزهري _ وقد جمعها عبد الرزَّاق في مصنفه _ رأيته حريصاً على تلك التعليمات كلَّ الحرص) (23)