موقعة النهروان وأهواء المؤرخين عبد الله القحطاني

موقعة النهروان وأهواء الموؤرخين لعبد الله القحطاني

الجزء ١ · صفحة ٢٥

وإذا وجد أحدهم متَنفساً بين الأسطر تراه يذكر شيئاً من الحقيقة ثمَّ ما يلبثُ أن يدمغها بحكم جائر من عنده ليوافق هوى السلطات الجائرة ، فترى أحدهم يتخبط أيما تخبط عند كتابة الوقائع وتدوين الأحداث ، فمثلاً يبدي إعجابه بورع ونزاهة أبي حمزة المختار بن عوف الشاري وعدله وإنصافه بين الناس بعد طرده لولاة بني أمية والذين يذكر مخالفتهم لشرع الله لأنه يدون ما يدوِّنه في الدولة العباسية مثلاً التي تتلذذ بذكر مساويء الأمويين ، ثمَّ إذا ذكر قتل بني أمية لهم يقول (وطهرَّ الله الأرض من فتنتهم ) لأن السلطة الجديدة أيضاً ترى هؤلاء أهل فتنة لأنهم لا يُقِرون بشرعيتها ، واسمع إلى ابن خلدون في مقدمته إذ يقول: ( وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً وسمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار ، فضلوا عن الحق ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط)(24)

مثال على الاضطراب في رواية أحداث النهروان:ـ

يروي الكثير من مؤرخي تلك الحقبة أن أهل النهروان عندما قاتلهم أشياع علي كأنهم قيل لهم موتوا فماتوا ، وأن علي بن أبي طالب قال لجيشه (والله لا يُقتلُ منكم عشرة ، ولا يبقى منهم عشرة ) (25) ، فيزعمون أن ذلك كان ، ولكن العجب أنهم يروون أن الخوارج انقسموا من بعد ذلك إلى فرق كثيرة تصل إلى اثنتي عشرة فرقة وتزيد في أحيان أخرى ، ونحن نتساءل: من أين أتت هذه الفرق إن كان الناجون لا يزيدون على عشرة؟ ثمَّ إنَّ الاضطراب يبلغ أقصاه عندما يذكرون حربهم لمعاوية (بشهر زور ) سنة 41 هـ ، فهزموا جيشه حتى أخذ يستغيث بأهل الكوفة لنجدته . فمن أين خرج هذا الجيش الذي استطاع هزيمة معاوية؟ فلا مناص لمن يحترم عقله أن تكون الحقيقة كامنة في أحد أمرين:

٢٥ / ٣٢