نشأة الإسلام في عمان
الجزء ١ · صفحة ٩الحال على هذا المنوال، فلم يكن الأمر يتعلق بأحزاب سياسية بل بعصبية قبلية، يتغنون بانتصاراتها. فكان يقال "أن نار مازون وقومهم قد أخمدت". أما الأنساب القبلية سواء كانت صحيحة أو مصطنعة فكانت من الأمور الأساسية في الكيان السياسي في المرحلة ما قبل الإسلامية ولذلك تستحق من البحث والتمحيص أكثر مما منحت فيما مضى.
لاشك أن الانتقال المفاجئ في نسب قبيلة قضاعة من النسب الشمالي إلى النسب الجنوبي قد يبدو وكأنه يشير الى أن القبائل هي التي كانت تصنع شجراتها السلالية وليس العكس. فمثل هذا التصرف العقلاني في السلوك القبلي من حيث الأصول القبلية يحضى بدعم علماء الأنتربلوجيا اليوم. كذلك فالاستقطاب المتوازن ما بين الفصائل إبان الأزمات يمكن تفسيره جزئيا على أساس المصالح السياسية والمجالية -كما بين ذلك كاتب هذا البحث- فيما يتعلق بقبائل عمان وخصوصا قبيلتي يمان ونزار في الحرب الأهلية التي أنهت الإمامة الأولى، وكذا بين الهيناويين والغافريين في نهاية الإمامة اليعربية. فمن السذاجة تفسير تشكيل القبائل على أساس النسب فقط، سواء كان الأمر يتعلق بالحاضر أو بالماضي، لكن الواقع أنه عامل مهم ليس فحسب في تفسير ما ومتى يعتبره المنتمون للقبيلة في صالحهم، بل لان العلاقات داخل القبيلة ما بين العائلات السائدة في منطقة معينة هي السلطة الحقيقية التي تحدد الأنساب القبلية وما يرتبط بها من نظم سلوكية كمفهومي العيب والشرف في القبيلة. ففي هذا الصدد من المفيد تسجيل أن كثيرا من الأبحاث الأنتربلوجية الحديثة قد تمت مع مجموعات الرحل التي تتميز تشكيلاتها القبلية أساسا بالحركية والانتهازية، بينما في بلد مثل عمان له تاريخ مسجل طويل وسكان عرب ذوي جذور في الأرض (على الأقل في وسط عمان)، يعرف السكان أنسابهم ويحتاجون إليها لفهم موقعهم، وهي كما يقول "دريش"(1) عن وضع لا يختلف كثيرا عن عمان وهو اليمن: "هوياتهم مرتبطة بالمجال خارج