نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ١١٥بعد عودة المحكمة من الحجاز إلى البصرة دار بينهم نقاش حاد حول الخطوة التالية الواجب اتخاذها، وكانت المسألة الهامة التي جرى الجدل والنقاش حولها هو الموقف من التطورات التي مرت بها الدولة الإسلامية آنذاك، وهل الخروج واجب أم أن البقاء بين أظهر المسلمين والتعايش معهم هو المحبذ في تلك الفترة، وقد استقر رأي زعمائهم على الخروج ومن بينهم نافع بن الأزرق وعبدالله بن إباض وغيرهم، ولما جن الليل سمع عبدالله بن إباض »دوي القراء ورنين المؤذنين وحنين المسبحين، فقال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم؟ فقرر القعود ورجع وكتم أمره«([16])، وأياً كان الصحيح فمن الثابت أن ابن إباض لم يقتنع بالخروج، وأنه فارق ابن الأزرق وأتباعه، وبدأ فصل جديد في تطور حركة الخوارج تميز بالفرقة والنزاع وتكفير بعضهم بعضاً، وانقسموا كما ذكرنا في صفحات سابقة إلى قسمين أحدهما غال متطرف، والآخر مسالم معتدل، وقد مثل الجانب الأول نافع بن الأزرق بينما مثل الفريق الآخر من أثر القعود ومن أبرزهم عبدالله بن إباض، وقد أدى هذا الانقسام في الموقف السياسي إلى تباين فكري وعقائدي واضح، فقد نادى الذين آثروا الخروج بآراء متطرفة وتبنوا مواقف غالية جداً تجاه بقية المسلمين بمن فيهم أقرانهم من الخوارج القعدة، وقد أحل ابن الأزرق دماء المسلمين وأموالهم وأوجب الاستعراض ووصف بقية المسلمين بالمشركين، ونادى بعدم التعامل معهم، أو جواز مناكحتهم وموارثتهم، وحاول بعد خروجه إقناع من حبذ القعود باللحاق به وكتب إليهم كتاباً جاء فيه: »بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفار؟ ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندبكم الله إلى الجهاد، فقال: ]وقاتلوا المشركين كافة[، ولم يجعل في التخلف عذراً في حال، فقال: ]انفروا خفافاً أو ثقالاً[، وإنما عذر الضعفاء