نشأة الحركة الإباضية عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

مما مر يتبين لنا بوضوح أن جابر بن زيد قد اكتسب علماً واسعاً بعد إقامته في البصرة، وأنه أصبح من أبرز التابعين الأوائل في علم الحديث والتفسير والعلوم الدينية بشكل عام، وقد أهلته معرفته العميقة لأن يصبح أبرز مفت في البصرة بعد الحسن البصري، وعندما كان الأخير يخرج للجهاد في الثغور أو يغيب عن البصرة كان يكل مهمة الفتوى إلى جابر بن زيد، الذي كان صديقاً له، ومما يدل على طول باعه في ميدان الفتوى والاجتهاد أن عمرو بن دينار، وهو أحد العلماء اللامعين في البصرة آنذاك وأحد التابعين من رواة الحديث كان يذكر جابر بن زيد ويقول: »ما رأيت أحد أعلم بالفتيا من جابر بن زيد«[14])، أما إياس بن معاوية قاضي البصرة في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز فقكان يقول: »أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان«([15])، أما الحسن البصري فيثني على جابر وعلمه الغزير ويصفه »بالفقيه العالم«([16]).

ولم يكتف جابر بالرواية الشفوية عن أساتذته ومعاصريه، بل كان يسجل الأحاديث التي سمعها من شيوخه، كما سمح لتلاميذه بتدوين الأحاديث التي رووها عنه([17])، وقد ألف كتاباً أسماه الديوان ضمنه الأحاديث التي رواها وأودع في صفحاته آراء وفتاويه في كثير من أمور العقيدة، ويقال أن ديوانه كان من الضخامة بحيث يعجز عن حمله البعير، ويقع في عشرة أجزاء كبيرة، وكانت نسخة منه موجودة في إحدى مكتبات بغداد الكبرى في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد([18])، ويذكر المؤلف الإباضي الوسياني أن نسخة من الديوان قد بقيت بعد موت جابر في حوزة خليفته أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ثم توارثها أئمة الإباضية في البصرة، وفي عهده استنسخت المخطوطة في مكة([19]).

١٣٠ / ٢٧٧