نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ١٣٢ويبدو أن جابر بن زيد قد اتبع أسلوباً خاصاً في حياته بعد قدومه إلى البصرة، مما ساعده على اكتساب المعارف، والإحاطة بالعلوم السائدة في عصره وخاصة العلوم الدينية، فقد عاش حياة زهد وتقشف وانصرف عن لهو الدنيا وترفها، وكان يقول: »سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن، سألت عن زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة ورزقاً كفافاً يوماً بيوم«([23])، وكان يخاطب أصحابه ويقول: »ليس منكم رجل أغنى مني، ليس عندي درهم وليس علي دين«([24])، ويذكر ابن سيرين أن أبا الشعثاء جابر كان مسلماً عند الدينار والدرهم، أي أنه كان ورعاً تقياً لا يهتم بجمع المادة واكتنازها([25])، والواقع أن المصادر السنية والإباضية تسهب في الحديث عن زهد جابر وانصرافه إلى الدرس والتحصيل حتى أصبح بعلمه مرجعاً لكل سائر في أمور الفتيا والفقه الإسلامي، وكان يعض الناس ممن يسكنون خارج البصرة يكتبون إليه مستفسرين عن مسائل ومشاكل فقهية فيجيبهم عليها([26])، وتبعاً لذلك فقد وصفه أتباعه بأنه »بحر العلم وسراج الدين«([27]).
مما تقدم يظهر لنا بوضوح أن جابراً قد اكتسب علماً غزيراً بعد هجرته إلى البصرة، وأصبح من الفقهاء البارزين الذين أسدوا خدمات جليلة للعقيدة والفكر الإسلاميين، ولا شك أنه وظف علمه ومواهبه في خدمة مبادئه التي آمن به واقتنع بصحتها، ولكي نفهم دوره في نشأة الفرقة الإباضية وتطورها لابد لنا من التعرف على بدء علاقته بحركة الخوارج القعدة ثم جهوده المتواصلة في سبيل إنجاح الدعوة الإباضية بعد أن أصبح رئيسها وزعيمها.
لسنا نعرف على وجه التحديد متى بدأت علاقة جابر بن زيد بالخوارج القعدة، على الرغم من أن المعلومات التي توردها المصادر الإباضية تشير إلى قدم هذه العلاقة، وإلى أن جابراً قد انضم إلى الحركة في وقت مبكر.