نشأة الحركة الإباضية عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

أثناء هذه الفترة من العلاقات السلمية، وأحياناً الودية، بين الإباضية والسلطة الحاكمة والتي امتدت خلال حكم الخليفتين سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبدالعزيز، استغل أبو عبيدة ومشايخ الدعوة في البصرة هذه الفرصة لالتقاط أنفاسهم وتنظيم حركتهم على أسس متينة من أجل الوصول إلى هدفهم الأسمى، وهو تأسيس إمامة الظهور وانتخاب خليفة للمسلمين من بين أتباع الدعوة، وقام أبو عبيدة بتطوير تنظيمات المجالس السرية وأعمالها التي كانت تقام في البصرة وتضم مشايخ الدعوة وأتباعها، يتداولون فيها خططهم ويتعلمون فيها مبادئ عقيدتهم وما يمت إلى دعوتهم بصلة سواء في النواحي الدينية أو الدنيوية، والحقيقة أن هذه المجالس السرية كانت موجودة منذ زمن مرداس بن أدية التميمي الذي تزعم حركة القعدة بعد النهروان، أي في أيام زياد بن أبية وابنه عبيدالله . وتذكر الروايات أن عروة ابن أدية، أخا مرداس قد قبض عليه وهو مختبئ في سرداب سري تحت الأرض حيث كان يتعبد مع أصحابه([14])، ويذكر المؤرخ الإباضي أبو سفيان أمثلة أخرى تدل على وجود مثل هذه المجالس السرية في زمن مبكر من عمر الدعوة، منها ما يقوله: »حدثني يسار وهو من خيار من أدركت عن والدته، وهي بنت ثمانين سنة، قال: أدركت أخرين من بني راسب يقال لأحدهما تبرح والآخر مازن ابن كنان، وكانا من خيار من مضى من أهل هذه الدعوة، وكانا نظيري أبي بلال وأخيه عروة رحمهم الله، وكانا في زمانهما، فأما تبرح فكان عابداً مصلياً لا يفتر من العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كدبر البعير، وكان قد اتخذ سرباً في الأرض يعبد الله فيه مع أصحابه()[15].

وعلى الرغم من وجود هذه المجالس السرية منذ الأيام الأولى لقيام حركة الخوارج القعدة فإن الفضل يعود للإمام أبي عبيدة في توضيح معالم هذه المجالس وتصنيف وظائفها وترتيب طبقاتها، ويمكن أن نميز بين ثلاثة أنواع من المجالس السرية كانت موجودة زمن أبي عبيدة التميمي.

١٥٩ / ٢٧٧