نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ١٦٣النوع الثالث: هو ما يمكن أن نسميه باسم مجالس أو مدارس حملة العلم، حيث كان الدعاة من مختلف الأمصار يتلقون العلم وأصول الدعوة وتعاليمها مباشرة عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي أقام مدرسة سرية لهذه الغاية في سرداب أرضي لا يعرفه إلا الدعاة حملة العلم وشيوخ الإباضية البارزين الموثوقين، وكان أبو عبيدة يتظاهر بصنع القفاف لذلك دعي بالقفاف([23])، وبينما كان الإمام يلقي دروسه على تلاميذه كان هناك حارس يجلس عند الباب الخارجي للسرداب فإذا مر أحد حرك الحارس سلسلة حديدية فيتوقف أبو عبيدة عن إلقاء دروسه ومحاضراته، ويشتغل وتلاميذه بضع القفاف، وإذا أمن الحارس وأيقن عدم وجود خطر حرك السلسلة مرة أخرى فيعود أبو عبيدة وتلاميذه للدرس والتحصيل([24])، ومن هذه المدرسة تخرج دعاة الإباضية في الأمصار الذين عرقوا باسم حملة العلم، كان حملة العلم يختارون عادة من بين أهل الولايات التي يرسلون إليها، أو من المناطق القريبة منها لمعرفتهم بأحوال الناس وعاداتهم وتقاليدهم وطرق معيشتهم ومقدار تطورهم الفكري والحضاري ودرجة ولائهم للسلطة الحاكمة، وبالتالي يصهل عليهم مخاطبة الناس واختيار الظروف الملائمة والأماكن المناسبة لإقامة مراكز الدعوة ونشر أفكارهم ومعتقداتهم في تلك البلاد، وإذا تفحص الباحث المصادر الإباضية المتوافرة فإنه يجد أن معظم حملة العلم كانوا من بين السكان الأصليين للبلاد التي يبشرون فيها، على أن وجود دعاة من أماكن أخرى كان وارداً ولكن بصورة محدودة جداً.