نشأة الحركة الإباضية عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

بالإضافة إلى هذه التنظيمات فقد خلق أبو عبيدة من أتباعه مجتمعاً تسوده المودة والمحبة والإخاء في العقيدة وتسيطر عليه روح الجماعة، وكان يحثهم على التآلف والتعاون فيما بينهم، كما طلب من الأغنياء أن يكونوا عوناً للفقراء، وسنداً لهم حتى لا يضطر الفقير من جماعته لاحتياج أحد من المخالفين، وقد لبى الأثرياء منهم هذا الطلب بحماس منقطع النظير([39])، وتورد المصادر الإباضية أمثلة كثيرة تشير فيها إلى تنافس الأغنياء منهم في سد حاجة الفقراء وإعطائهم، يقول أبو سفيان مدللاً على ذلك: »سمعت بعض مشايخ من أدركت يقولون: إنا لنذكر إذا دخل شعبان أن كان الفقراء من المسلمين (الإباضية) لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر وما يصلحهم لشهر رمضان، ولا يعلمون من بعث بها.. يأتي لرجل بالجمال حتى يقف به على باب الدار فيقول: أدخل/ فيكتب في خرقة كلوا وأطعموا«([40])، ويروى أن شخصاً من الإباضية يدعى ديال بن يزيد »كان يستأجر الأكسية في البرد الشديد.. بألف درهم أو أقل أو أكثر وليس عنده منها شيء، وإنما يتكل على الله ثم على المسلمين (الإباضية) ثم يفرقها بين الفقراء ويجمع ثمنها بعد ذلك من أغنياء الإباضية وكرمائهم([41])، وكان الداعية الإباضي أبو الحر موسراً جداً وتأتيه غلته سنوياً »فيقسمها نصفين فيفرق نصفها في فقراء المسلمين (الإباضية) وفي معاونتهم«([42])، ليس هذا فحسب بل أن أغنياء الإباضية كانوا يتسابقون في دفع الديون المتبقية على من يموت من أصحابهم، يوقل أبو سفيان: »مات حاجب وعليه دين مئتان وخمسون ألفاً أو أكثر (دراهم) قال: فدخل قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه.. فقال لهم قرة: يا قوم: ما تقولون في دين هذا الرجل؟ فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه، ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين (الإباضية) وكان موسراً فأخبروه، فقال لهم الفضل: دينه على دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال«([43]).

١٧٢ / ٢٧٧