نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ٢١٩بعد الانتصار الذي أحرزه عبدالرحمن بن حبيب على الإباضية عام 132هبدا كأنه تمكن –بعد أربع سنوات من حكمه- من القضاء على خصومه، وفي الوقت نفسه حصلت تطورات أخرى في مركز الخلافة، إذ زالت دولة بني أمية، وتمكن العباسيون من التربع على عرش الخلافة الإسلامية، وبويع أبو العباس السفاح أول خليفة من الأسرة الحاكمة الجديدة، ولما تأكد ابن حبيب من انتصار العباسيين كتب إلى الخليفة بالسمع والطاعة فأقره السفاح على ولايته([1])، وواضع أن ابن حبيب قد أدى الولاء للخليفة ليضفي شرعية على ولايته، ولكنه لم يلبث أن فتح ذراعيه للأمراء الأمويين الهاربين من تنكيل العباسيين، ورحب بهم وأصهر إليهم، ثم انقلب عليهم وقتل بعضاً منهم، بينهما فر الباقون وعلى رأسهم عبدالرحمن الداخل إلى الأندلس([2])، وحاول ابن حبيب مرة أخرى كسب ود العباسيين والحصول منهم على التأكيد اللازم لترسيخ حكمه في ولاية أفريقية، ولكن أبا جعفر المنصور الذي اعتلى عرش الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح لم يكن مطمئناً لموقف ابن حبيب وحاول أن يتأكد من حسن نواياه، فكتب إليه يدعوه إلى الطاعة، وإرسال نصيب الخلافة من أموال أفريقية، فأجابه ابن حبيب إلى الطاعة ووجه إليه بهدية بخسة([3])، فغضب أبو جعفر وكتب إليه يتوعده ويهدده، فلما أتاه الكتاب قرر خلع طاعة أبي جعفر فجمع النسا في المسجد، وخطب الناس قائلاً: »إني ظننت هذا الجائر (أبو جعفر) يدعو إلى الحق ويقوم به حتى تبين لي خلاف ما بايعته عليه من إقامة الحق والعدل، وأنا الآن قد خلعته كما خلعت نعلي هذين«، وقذفهما وهو على المنبر([4])، ثم أمر بنزع السواد، شعار الدولة العباسية، وأمر بتمزيق الرايات والثياب الرسمية التي تحمل هذا اللون ووصفهما بأنها »لباس أهل النار في النار«، ثم أمر كاتبه أن يكتب إلى ولايته يخبرهم بخلع المنصور ويأمرهم بقراءة الكتاب من على منابر المساجد.