نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧وفي الوقت الذي التفت فيه يزيد إلى الإعمار والبناء فإنه استمر في ملاحقة الثوار أينما كانوا وفي مقدمتهم رجال الإباضية، وهم أكثر الثوار شجاعة وحماسة واستماتة في سبيل مبدئهم، ولم يهنوا ولم يستكينوا رغم الضربات المتتالية التي تلقوها على أيدي الولاة، وفي عام 156ه تجمع إباضية طرابلس وثاروا بقيادة أبي يحيى الهواري فتصدى لهم عبدالله بن السمط الكندي، أحد قواد يزيد، والتقى الطرفان في مكان قرب شاطئ البحر فهزم الهواري هزيمة منكرة، وقتل عدد كبير من أصحابه([5])، وكانت هذه الوقعة آخر نشاط ثوري للإباضية في بلاد المغرب الأدنى طيلة ولاية يزيد بن حاتم التي استمرت حتى وفاته عام 170ه/786م، وقد أتم ابنه داود عمله فتتبع الإباضية وقضى عليهم بدون هوادة، وفي عهده الذي دام أقل من سنة ثارت قبيلة نفزة البربرية في جبال باجة بزعامة صالح بن نصير الإباضي الذي استطاع أن يهزم جيشاً أنفذه إليه داود بقيادة المهلب بن يزيد، ثم وجه إليه داود جيشاً بقيادة سليمان بن الصمة المهلبي فهزم صالح بن نصير الإباضية وهرب من باجة إلى جبل أوراس حيث استطاع جمع شتات الإباضية هناك، فلحق به سليمان بن الصمة وهزمه في معركة شديدة يف شقبنارية على طرف جبل أوراس، وقتله وأصحابه عن آخرهم([6]).
يبدو أن المعارك الكثيرة والحروب المستمرة التي خاضها الإباضية قد أبادت قسماً كبيراً منهم وأقنعت زعاماتهم بعدم جدوى إراقة الدماء ما دامت الخلافة مصممة على أن تبقى سلطتها قوية في بلاد المغرب الأدنى وأفريقية، ولذا فإنهم خلدوا إلى الهدوء نحو عقد من الزمان، ولم نسمع عن نشاط مسلح من جانبهم إلا في عام 180ه في زمن ولاية هرثمة بن أعين حيث ثارت هوارة بزعامة عياض بن وهب الهواري وقضى على الثورة بسهولة ويسر([7]).