نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨وعلى أي حال فإن الإباضية في المناطق الشرقية من بلاد المغرب قد خبت جذوتهم وانهارت قوتهم منذ ولاية يزيد بن حاتم، ومقتل إمامهم أبي حاتم الملزوزي، ولعل مرد استكانتهم إلى عاملين: الأول: ضعفهم وعدم قدرتهم على التصدي لجند الخلافة، والثاني: أن عبدالرحمن بن رستم قد نجح في تكوين دولة إباضية في المغرب الأوسط، وبذلك حقق حلمهم في تكوين كيان خاص بهم، وهاجرت بعض القبائل البربرية الإباضية من مناطق المغرب الأدنى إلى المغرب الأوسط لتعيش في كنف الدولة الإباضية الرستمية، وبقيت جماعات منهم في مناطق معزولة مثل جبل نفوسة في طرابلس وبلاد الجريد في جنوب تونس([8])، وعلى الرغم من بعد مناطقهم عن بلاد الدولة الرستمية إلا أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم تابعين لتلك الدولة ويعترفون بالإمام الرستمي إماماً وخليفة لكل الإباضية في شمال أفريقية.
أما الدولة الرستمية التي أصبحت ملاذاً للإباضية فتنسب إلى عبدالرحمن بن رستم السالف الذكر([9])، وكان أحد حملة العلم الخمسة، وقد عينه الإمام أبو الخطاب المعافري، أول إمام ظهور في شمال أفريقية، قاضياً لطرابلس، ولما احتل القيروان عام 141هجعل ابن رستم والياً عليها، وبعد مقتل الإمام أبي الخطاب لجأ عبدالرحمن بن رستم إلى بلاد المغرب الأوسط واتخذ من جبل سوفجج المنيع جنوب تاهرت ملجأ له، وأخذت وفود البربر الإباضية تتقاطر إليه في ذلك الموقع الحصين معلنين تصميمهم على المضي في الكفاح حتى تقوم دولتهم التي تمثل -في رأيهم- دولة الحق والإسيلام الصحيح([10])، واجتمع إليه علماء الإباضية وفقهاؤهم من كل حدب وصوب، وقصده من طرابلس وجبل نفوسة وحدها ما يزيد على ستين من أكابر العلماء وأهل الفضل والرأي([11]).