نشاة الدولة الرستمية - التيهرتي
الجزء ١ · صفحة ٧وقد استمرت هذه الدولة الفتية في التطور والازدهار ، حتى اشتهرت في الآفاق وعرفت بـ ( عراق المغرب ) ، وفي عام 160 للهجرة استأنس الإباضية من أنفسهم قوة ووجدوا أنهم يملكون كل المقومات المادية والأدبية لإعلان إمامة الظهور ، فنظروا لمن يتولى الأمر فلم يجدوا أليق ولا أبرز من عبد الرحمن بن رستم رحمه الله لسابقته ودينه وعلمه ، وتمت البيعة له ، وهكذا يكون الإمام عبد الرحمن بن رستم رحمه الله أول إمام لأول دولة إسلامية إباضية في المغرب الأوسط (الجزائر ) عرفت في التاريخ بالدولة الرستمية .
وكانت الدولة الرستمية دولة إباضية تستظل بها جميع القبائل المعتنقة لهذا المذهب إضافة إلي غيرها من القبائل والمذاهب الداخلة ضمن حدودها ،وكان جميع سكانها من مختلف المذاهب يعيشون بحرية تامة ولهم منازلهم ومساجدهم الخاصة التي يتعبدون بها وفق ما يرونه صحيحا دون أن تمس حرياتهم أو تجرح مشاعرهم ، وكانت تجري بين العلماء من مختلف المذاهب المناظرات وكان يحضرها العام والخاص ، ولنستمع إلى ما قاله ابن الصغير في الدولة الرستمية ، وابن الصغير هذا من الشيعة وقد عاش في هذه الدولة وعني بكتابة تاريخها ، فكان من ضمن ما قاله عنها : (( ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لمل يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانة على ماله ونفسه ، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي ، وهذه لفلان البصري ، وهذه لفلان القروي ، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم ، وهذا مسجد البصريين ،وهذا مسجد الكوفيين )) ، أنظر : أخبار الأئمة الرستميين لإبن الصغير ، ص36 .
هذه شهادة من رجل يعتنق مذهبا مخالفا لمذهب أهل الحق والاستقامة فما الذي دفعه لأن يثني عليهم ويصفهم بما وصف إلا ما رآه بأم عينيه من عدلهم وإنصافهم وإقامتهم لشرع الله وتطبيقهم لسنة رسول الله .