نفحات من السير لـ...؟
الجزء ١ · صفحة ٢٢وعلى أية حال فإن الإمام أبا بكر بن أفلح عرف بالجود ولين العريكة والميل إلى الأدب والحياة الرغيدة، بحيث لم يكن صارما حازماً كأبيه وجده- يقول المؤرخ ابن الصغير: ( فلما ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن قبله من آبائه، ولكن كان سمحاً، جوادا لين العريكة، يسامح أهل المروءات ويشايعهم على مروءاتهم ويحب الآداب والأشعار وأخبار الماضي).
وعلى أية حال فإن هذه الأخلاق اللينة الضعيفة تخرج الرجل عن جادة الإسلام وذلك بعدم تكوين المسلم القوي الصالح الناجح، وهكذا فإن تصرفات وسلوكات أبي بكر بن أفلح قد استغلها الخصم بحيث فقدت الدولة الرستمية هيبتها وتأثيرها على أفراد شعبها، وبالتالي ظهرت صراعات وتحديات على مستوى قمة السلطة والحكم.
فقد تمكن ابن عرفة وهو صهر الإمام أبي بكر بن أفلح الذي سيطر على شؤون الحكم وهو الآمر والناهي في شؤون الدولة، فأمسك زمام الأمر في يده فعاشت الدولة الرستمية في صراعات ونزاعات ومؤامرات، تسيرها أيد خفية، وتم اغتيال ابن عرفة بيد مجهولة.
إن هذه الحادثة تعد منعطفاً خطيرا في تاريخ الدولة الرستمية المعروفة بتمسكها بشريعة الإسلام وترك حرية المذاهب الإسلامية الأخرى، إذ كانت المناظرات والمناقشات تعقد أمام الأئمة في مسائل الاختلاف بصدر رحب.
والجدير بالذكر أن أبا اليقظان محمد بن أفلح قد سجنه الخليفة العباسي الواثق مع أخيه المتوكل حينما ذهب إلى الحج في خلافة أبيه أفلح بن عبد الوهاب، وكانت عيون العباسيين تلاحق حركاته حتى ألقت القبض عليه في مكة المكرمة، فأرسل إلى بغداد وسجن هناك، إلا أن الخليفة المتوكل، أطلق سراحه مكرماً مبجلاً حيث كانت هناك علاقة أخوية حميمة، تأصلت بينهما في سجن بغداد لأنهما ذاقا نفس المصير.