نفحات من السير (1) بكير بن سعيد بن بكير عوشت

نفحات من السير لـ...؟

الجزء ١ · صفحة ٦

وهكذا فإن الجلندى بن مسعود قد طبق هذه الفكرة في دولته إلا أن هناك بعض النفوس المريضة ترى أن وجودها في السلطة والزعامة لها الأولوية والأسبقية بسبب نسبها وعلى ضوء هذا فإن جعفر بن سعيد الجلنداني وابنيه النصر وزائدة تحالفا مع الدولة العباسية لإسقاط إمامة الجلندى بن مسعود.

وحينما اُكتشفت تلك المؤامرة ضربت أعناقهم بالرغم من وجود صلة الرحم الرابطة بين هؤلاء والإمام الجلندى بيد أن علامات الحزن والأسى قد ظهرت على وجه الإمام فاستنكر أصحابه هذه العاطفة فقالوا: أعصبية يا جلندى؟ فقال: لا ولكن رحمة ، وطلب منه أن يعتزل الإمامة ، فاعتزلها ولكن طلبوا مرة ثانية أن يعود إمامته بعد إلحاح فعاد إليها.

وعلى هذا يمكن القول بأن الإمامة التي تزعمها الجلندى استطاعت أن تحقق العدالة الإسلامية الحقيقية بين أبناء الأمة الواحدة، بيد أن الدولة الإسلامية الفتية في حاجة إلى سند عسكري ليستقيم أمرها و إلا أصبحت في يد العابثين والخارجين عن سلطة الدولة، فالإسلام يأمر المسلمين أن يكونوا أقوياء في إيمانهم وفي علمهم وفي اقتصادهم، ليتحقق المجتمع الإسلامي، ولكن هناك شروطاً ضرورية لذلك وهي القوة العسكرية حتى تضمن حماية وجودها من الفتن والانتفاضات الداخلية والهجومات الخارجية، وهذه القوة العسكرية تتطلب نظاما ورجالا وعتادا وتربية أخلاقية رفيعة.

وهكذا فإن الشروط (الخصائص التي ذكرناها) قد جسمها الإمام الجلندى ابن مسعود في نظام عسكري يتمثل في الشُراة الذين تطوعوا لخدمة دولة الإسلام.

ومن هنا فإنه قد قسّم هؤلاء إلى مجموعات وكل مجموعة تتكون من مائتين إلى أربعمائة، ثم عيّن لكل مجموعة قائداً لها وهذا القائد يشترط فيه أن يكون عالماً فقيهاً حازماً، وكل عشرة من هؤلاء لهم معلم يعلمهم أمور دينهم ويغرس في نفوسهم الأخلاق القرآنية الكريمة وهؤلاء لهم رواتبهم الشهرية المقدرة لكل واحد منهم بسبعة دراهم في فترة تميزت بارتفاع أسعار البضائع.

٦ / ٩٢