أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ١٢أبو اليقظان الصّحفي المقتدر(1)
لقد بدأ الحسّ الصّحافي يتكوّن في نفس أبي اليقظان منذ أيّام تلمذته، حينما كان يختلف إلى كتّاب القرية، فكان يطالع الصّحف المشرقية مثل "اللّواء المصرية " وكانت الأحداث المهولة التي مرّبها الوطن العربي والإسلامي قبيل الحرب العالمية الأولى، ولاسيّما الغزو الإيطالي لطرابلس الغرب من أكبر الأسباب التي فتحت عينيه على الصّحافة، فشغف بها وراح يتبادل الصّحف مع أصدقائه، وتطلّعت نفسه إلى تحرير صحيفة كاملة بيده، أسماها "قوت الأرواح"، أرسلها إلى زميله بـ" تبسة" السيّد الحاج عمر العنق؛ ردّا على صحيفة كان قد أرسلها إليه هذا الأخير بعنوان " الرّحيق المختوم" وذلك ما بين 1913 ـ1914م.
من الأسباب أيضا ما حكاه أبو اليقظان عن نفسه حيث قال:" إنّه لما قويت علينا شوكة المعارضة والدّعاية السيّئة ضدّ بعثتنا العلمية بتونس، ورأينا مبلغ تأثيرها على عقول العامّة ـ وعقول العامّة ضعيفة - هذا من جهة، ورأينا بلبلة أفكار الأمّة وعدم انسجامها من جهة أخرى، فسعينا الى تكوين رأي عام واحد فيها، من أجل هذا وذاك بادرنا لإنشاء الصّحافة ".
غير أنّ السّبب المباشر الذي دفع بأبي اليقظان إلى ميدان الصّحافة فأسّس جريدة بنفسه، وتحمّل في سبيلها الأهوال والأتعاب، هو ذلك القانون الجائر الذي أصدرته الحكومة الفرنسية سنة 1925، والذي ألزمت بموجبه التّجنيد الإجباري على سكّان الجنوب، نقضًا لكلّ المعاهدات، والذي يعدّ ـ على حدّ تعبير أبي اليقظان ـ حكما على الأمّة جميعا بالإعدام.
وقد استطاع أبو اليقظان أن يقدّم بواسطة صحافته التي امتدّت ما بين 1926ـ1938م تضحيات جساما، وقد تعرّض لمضايقات عديدة في مسيرته هذه، وأسهم إسهاما كبيرا في النّهضة الجزائرية الحديثة.
وقد كانت صحافته سجلّا للأحداث الوطنية والعالمية، كما كانت منبرا حرّا لنشر الأفكار الإصلاحية المناهضة للاستعمار والفساد والجمود الفكري، كما عالجت في صفحاتها القضايا الإسلامية والعربية والقومية والوطنية، وقاومت الآفات الاجتماعية كالانحلال الخلقي والنّعرات الطّائفية والجهل، وغيرها من
(1) - مجلّة الحياة، مجلّة ثقافية فصلية، يحرّرها طلبة معهد الحياة، القرارة، الجزائر، عدد: 15، جمادى الثّانية 1407هـ/ 1987م. هي غير مجلّة الحياة، الذي يصدرها حاليًا معهد الحياة وجمعيّو التّراث، القرارة، الجزائر.