أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٤٦في المجتمع؛ بما يدعو إلى الإشفاق والدّهشة والتّحسّر من استهتار النّاس بالقيم السّامية والأخلاق الفاضلة: " كن منافقا مرائيا ملاّقا، وفي كنف هذه الصّفة تعيش مملوء الجيب، طويل العمر، وإيّاك والصّراحة والجهر بالحقّ، فإنّ هذا ممّا يقصم ظهرك، كن خائنا كذّابا، فإنّك بذلك تعيش خفيف الظّلّ، عذب اللّسان، وإيّاك والنّصح والصّدق، فإنّ هذا ممّا يجعلك مرموقا بعين الحنق والاستثقال … "(1).
في المقابلة بين النّصائح والنّتائج المتحصّل عليها تكمن السّخرية؛ لأنّها إفرازات تكشف عن سلوك تضرّر به المجتمع كثيرا، وهو اللّجوء إلى السّهل الميسور، والاشتغال باللّهو والعبث، والتّحلّي بصفات رذيلة، وارتكاب الموبقات والحماقات. هذه هي المفارقات التي أدهشت الكاتب وحيّرته، وقد عالجها في أدبه كثيرا وبأساليب متنوّعة. منها أسلوب السّخرية التي أفرغت ما في قلبه من كمد، وما فيه من وجد.
حين صدر قرار وزارة الدّاخلية بتعطيل "جريدة وادي ميزاب"، ومصادرة كلّ ما يصدر وَفقا لخطّة هذه الجريدة. تألّم أبو اليقظان كثيرا واشتدّ حنقا على المستبدّ، فخاطبه بما يليق بمقامه الحقير، وبممارساته الدّنيئة، متهكّما ساخرا سخرية مريرة، لاجئا إلى أسلوب المفارقة، وهو يسجّل المآسي التي تتعرّض لها الصّحافة الوطنيّة فقال:
يا بلبلُ الصّداحُ صَهْ واخرس فلا … تتعرّضن لأعظمٍ الأرزاء
واسكتْ بِربّك يا حمامَ الرّوض عن … ذاك الهديلِ، ففيه شرُّ الدّاء
يا أيّها السّنُّورُ خذ حذِرًا فلا … تَنْبُسْ علانية بِبِنْتِ مُواء
يا أيّها الطّفلُ الصّغير اسكتْ فلا … تطلب علالات ولو بِبُكاء
فلقد غدَوْنا في زَمانٍ، من يَرُمْ … فيه الكلامَ يَكُنْ منَ السُّفهاء(2)
(1) - "أبوك الكذّاب" "وصية كذّاب لابنه" جريدة وادي ميزاب ع: 88 (22/ 06/1928م) النّصّ لأبي اليقظان. ينظر للكاتب نفسه، "عوم بحرك يا … " جريدة البستان ع:4 (23/ 05/1933م)، و"محادثة أصمّ"، المصدر نفسه ع:10.
(2) - ديوان أبي اليقظان ج1، ص:198