أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٤٧في هذه النّداءات المتساوقة تكمن المفارقة، التي تبطن الأسى والحزن والحسرة من هذا المصير والعاقبة الوخيمة، التي آلت إليها الصّحافة الوطنيّة وصوت الحرية، ولسان المستضعفين والمقهورين؛ ولهذا لا يمكن لأيّ مخلوق أن يطلق أيّ صوتٍ، وإلاّ عُدَّ من السّفهاء. وإن كان الكاتب بهذا الأسلوب، أسلوب المفارقة يدعو إلى غير ذلك، أي عدم الرّضوخ لهذه التّهديدات، وعدم الاستسلام لهذه الممارسات. هذه إحدى وظائف السّخرية: إثارة المشاعر، وشحذ الهمم بطريقة خفيّة غير مباشرة.
لجأ الكاتب إلى هذا الأسلوب؛ اتّقاء لحساسية النّاس، وتجنّبا لإثارة حفائظهم، وهروبا من لفت نظر المستعمر إلى ما يدعو إليه، حتىّ لا يفسد عليه خطّته في النّهوض بمجتمعه. وقد اختار أن ينبّه إلى هذه المفارقات تنبيها لطيفا فيه التّورية والتّلميح والتّعريض. هذه هي السّخرية عينها، إنّها: " تقوم على التّورية والتّعمية والإيلام غير المباشر كالسّهم المميت، الذي لا يظهر أثره إلاّ بعد أن يكون قد تمكّن من الرّمية كلّ تمكّن، من غير أن تفطّن له في أوّل الأمر"(1).
لم يكن الشّيخ أبو اليقظان بدعا من الأدباء، الذين سلكوا هذا المسلك، وانتهجوا هذا الأسلوب، بل وجد من سلك هذا السّبيل نفسه، يقول د. محمد ناصر: " فإنّ في أخلاق المجتمع ما يدعو الكتّاب إلى معالجتها في بعض الأوقات بمثل ذلك الأسلوب، وكأنّهم يقابلون سخرية النّاس بالقيم وبالمبادئ، بسخرية مثلها، أو كأنّهم يضطرّون إلى مثل هذه الوقفة إذا أعياهم القول الجاد والنّظرة الصّارمة "(2).
كما أنّ هذه الطّريقة معروفة في الأدب، فمن بين الأدباء العرب المعاصرين، الذي نهجوا هذا الأسلوب "محمود بيرم التّونسي"(3).
من الأساليب التي دارت في أدب أبي اليقظان السّاخر، الذي مرّر به أفكاره ومشاعره أسلوب الاستفهام. من خلال النّموذجين الآتيين أحسسنا أنّ الكاتب حرص على تقرير بعض الحقائق، التي تخفى على كثير من النّاس. فتنطلي عليهم حيل المستبدّين والظّلمة. وفي الوقت نفسه يقدّم توبيخًا للمتسبّبين في تعاسة الأمّة الإسلاميّة.
النّموذج الأوّل يتعلّق بمأساة الصّحافة في الجزائر. فقال مخاطبا الذين يدّعون حماية القانون:
هل في قوانين القضا فصل به … يقضي على المعدوم بالإفناء
أفتفرضُ الأحكامُ ضدّ أجِنّة … قبل الولادة في بطون خفاء(4)
وبما يجدّد شبهها في عرفهم … هل بالصّرامة ضدّ كلّ جفاء
أبذا قضى عصر العدالة والإخا … تبًّا لكلّ سياسة خرقاء
أو ليس مرمى الكلّ شيئا واحدا … هو قطع مجرى الحقّ للعلياء(5)
وعن قضية فلسطين أفضى بالمشاعر نفسها. وتساءل تساؤل ساخر متهكّم بمن يعيش على الادّعاء، ويرتكب أعمالا تعسفيّة:
بعسفهم معا أضحى أباة … العروبة في البلاد مشردّينا
فهل جمعيّة الحيوان تدري … بهذا العسف أم تغضي الجفونا
وأين دعاة حفظ الأمن هل هم … بعصر النّور أَحْيَا يرزقونا
أباسم الرّفق بالإنسان يقصى … عن الأوطان ناس آمنونا
أباسم الحقّ والإنصاف أنتم … على طمس الحقيقة مجمعونا
أباسم العدل منصفكم يرى … قم لأقعد أيّها المتفلسفونا(6)
هكذا نلحظ هذا الكمّ الهائل من النّصوص التي وظّف فيها الشّيخ أبو اليقظان السّخرية وسيلة لأداء رسالته الاجتماعيّة. وقد حاول التّنويع في الأساليب؛ ليعالج موضوعات مختلفة. ويلائم بين مشاعره المحتدمة الكثيرة
(1) - د. نعمان محمد أمين طه، السّخرية في الأدب العربي، ط1، دار التّوفيقيّة للطّباعة بالأزهر، القاهرة، سنة 1399 هـ/1979، ص:196.
(2) - د. محمد ناصر المقالة الصّحفية الجزائريّة، نشأتها وتطوّرها وأعلامها (1903 – 1931) مج2. (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1398هـ/1978م، ص:192
(3) - ينظر د. محمد الصالح الجابري، محمود بيرم التّونسي في منفاه حياته وآثاره، ج1، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1407ه/ 1987م، ص:541
(4) - علّق الشّيخ أبو اليقظان أيضا على قرار تعطيل جريدة (البستان) بسخرية: "وهكذا يفعل الاستعمار الفرنسي، يحكم على الإنسان بالإعدام، وهو جنين في بطن أمّه". بنظر كتابه: "نشأتي" (مخ)، ص:56. وكتاب أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص: 246.
(5) - ديوان أبي اليقظان، ج1، ص:199.
(6) - المصدر السّابق، ج2، ص:90.