أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٥٧

وضعفا، يكون عزم الإنسان في العمل، أو كسله عنه، فإذا كان ذا ثقة تامّة بنفسه، شاعرًا بكرامتها، فإنّه لا يزال بها طموحا إلى المعالي، وعزوفا عن الرّذائل والنّقائص. وإذا ضعفت ثقته بنفسه، ولم يقدّر قيمتها حقّ قدرها هان عليه أمرها، ورضي لها بكلّ صغار واحتقار، ولا يبالي أصفعه زيد أو داسه بكر؟ وعاش بها معيشة الحشرات في مستنقعات الخسّة والمهانة."

إنّ الشّيخ أبا اليقظان كان دقيقا في تحديد المواقف، وتعيين المفهومات، وكان صادقا مع من يخاطب، حين بيّن له انّه يجب عليه أن يفرّق بين الاعتداد بالنّفس، الذي يكون نتيجة الغرور، والثّقة بالنّفس التي تصدر من تقدير الشّخص ما له من إمكانات وقدرات، تدفع به إلى بذل الجهد، وتسخير الطّاقة فيما يعود عليه وعلى غيره بالنّفع العميم والخير الجميم. بين الغرور الذي يؤدّي إلى تسفيه الحقّ وغمط الخلق. والثّقة بالنّفس التي تسوق إلى نصرة الحقّ وإنصاف الخلق. بين الغرور الذي يقعد عن العمل في الارتفاع بالنّفس إلى مراتب العلا، والابتعاد عن مطالب الهوى. والثّقة بالنّفس التي تجبر المرء أن يسمو بذاته عن مزالق الرّذيلة، ومهاوي الصّغار والمهانة، بين الغرور الذي يمسك عن النّهوض والقيام والنّشاط والطّموح، والثّقة بالنّفس التي تبعث العزم والحزم في النّفوس، والإرادة في القلوب. مصداقا لقول أبي القاسم الشّابي:

إذا ما طمحت إلى غاية

لبستُ المنى وخلعت الحذر

هذا الطّموح، وهذه الإرادة اللّذان يبعثان على العمل، واستغلال الوقت، والمغامرة والإبداع، وعلى الإتقان، والإخلاص في النّشاط، والصّدق في التّحرّك، والإحسان في العمل … كلّ ذلك ينتج نتاجا حسنا، ويثمر ثمارا يانعة دانية، تعود على الفرد بالحصيلة الإيجابية، وترجع على الجماعة بالفائدة والعاقبة الطّيّبة.

هذه الجماعة، وهذه الأمّة يجب أن يتوافَر فيها عنصر الثّقة بالنّفس، مثلما يكون في الفرد، لأنّ الواحد يستمدّ قوّته من جماعته، والجماعة تحيا بأفرادها، يقول الشّيخ أبو اليقظان:" إنّ الثّقة بالنّفس كما تكون في الفرد، تكون في الأمّة. إذا كانت واثقة بنفسها شاعرة بوضعيتها ومنزلتها في الوجود، تكون دائما غوّاصة في العظائم وجلائل الأعمال، طمّاحة إلى المعالي، توّاقة إلى إحراز

٥٤ / ١٠٠