أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٥٨

مكانتها في قمم المجد والسّؤدد، غير هيّابة ولا راهبة، ولا قانعة، ولا تقدر بحال أن تقيم على هضيمة، أو تنام عن ضيم.

إنّ صمّام الأمان من البقاء في وحل المذَّلة، والعيش في مستنقع الهوان، وإن دواء الخنوع وقبول الضّيم والحيف يكمنان في زرع الثّقة بالنّفس. يجب أن يكون ذلك شعار الجماعة ومقصد الأمّة كلّها. كما يقول خليل مطران:

هناك أُبيحَ الشّجوَ نفسًا منيعةً

على الضَّيْمِ، مهما يَفْلُلِ الضّيمُ من بَاسِي

وإنّ ضمان الارتفاع إلى المكان الأسنى، والفضاء الأسمى، والعيش في قمم المجد، وفي أعالي السّؤدد، هو الثّقة بالنّفس، التي تدفع إلى مزيد العمل، وكسب المحامد، والاندفاع إلى عظائم الأمور، وإنّ بثّ الطّموح في النّفس لتغوص في العظائم، وتقوم بجلائل الأعمال، وتسبح في بحر المكارم … لن يحصل إلاّ بالتّمتّع بالثّقة بالنّفس. قال المتنبيّ:

إذا غامرتَ في شرفٍ مَرومٍ

فَلا تقنعْ بما دونَ النّجوم

فطعمُ الموتِ في أمر حقيرٍ

كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيم

هذه الثّقة تجعل الأمّة تبذل كلّ غال ورخيص في سبيل الظّفر بهذه المكرمات، وتنأى بنفسها أن تعيش في الحضيض، وتقبل بما يقدّم لها من التّوافه. يقول الشّيخ أبو اليقظان:" ولأن تبذل ما لديها من نفس ونفيس، وتضحّي بكلّ مرتخص وغال خير لها من أن تصبر على القذى. وكلّ فرد من أبنائها يرى نفسه أنَّه الأمّة وحده، لما تنطوي عليه ضلوعه من الشّعور بذاته والثّقة بنفسه."

العيش على فتات موائد النّاس، والتّمادي على الاستجداء، مهين للرّجل الكمّي، ومذل للحرّ الأبيّ. بل إنّ ما يجب أن يسكن قلب كلّ فرد في الأمّة من الشّعور بالإباء والإحساس بالقوّة، بما تزرعه الثّقة بالنّفس، هو ما يجب أن

٥٥ / ١٠٠