أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٦٠

الأمثال. فإذا هبّ أحدهم لمشروع خيري، وأراد مشاركة إخوانه فيه، والتّعاون معهم عليه، قيل له: (دع عنك المسلم، ولا تأمنه، ولا تثق به، وفرَّ منه فرار الشاة من الذّئب) وأنشد حاله قول الشّاعر:

عوى الذّئب، فاستأنست للذّئب إذ عوى … وصوّت إنسان، فكدت أطيرُ. وإذا حدثت بالأمّة بليّة، واستدعاه إخوانه لمشاطرتهم في أمرها فرَّ هاربا، وانزوى في قعر بيته، لا جبنا ولا شحًّا، ولكن لسوء ظنّه بهم، وعدم وثوقه بأعمالهم، واتّهامه لهم بأنّهم سيخونونه، ويوقعونه في ورطة، لا مخلص لهم منها، ويا ليته لو اقتصر على هذا، ولكنَّه ينفث سمومه في كلّ من يثق بكلامه، ويختلق له وسائل التّثبيط والانفصال عن بقيّة الجماعة لإضعافها وإحباط مساعيها، وإظهار أنَّه هو المدبّر الحكيم، فإذا أصغى هذا المسكين إلى كلامه، وأثّر في نفسه اتّهم الجماعة، فانعزل عنها، وعاش فريدا مستوحشا في عزلة تامّة، مسجونا عن بقيّة العائلة مدى حياته، وهو لا خيرا جلب له ولا لأمتّه، ولا ضيرا دفع … "

عواقب خطيرة سجّلها الشيخ أبو اليقظان، نتجت عن داء فقد الثّقة بالنّفس، تؤدّي إلى الشّك والرّيبة، وتدفع إلى عدم الاندماج في الجماعة، ومن ثمّ الاستنكاف عن التّعاون والتأزر، وخدمة المصالح العامّة. وبثّ أفكار تنفّر من الاجتماع، وتبعد عن الالتقاء، وتتسبّب في تصدّع الصّفوف، وتوسيع هوّة الشّقاق، وتنافر المصالح، حتّى تحوّل الشّعار المرفوع (اتّفقنا على ألاّ نتّفق) إلى مبدأ (اتّفقنا على ألاّ نبدأ) وغيرها من النّتائج التي أشار إليها الشّيخ أبو اليقظان. وهي مشاكل نعيشها اليوم وبكثافة، وهي تزداد كلّ لحظة.

قدّم الشّيخ أبو اليقظان مجموعة من الأفكار في الموضوع، كانت إفرازات لما عاشه النّاس، وكانت سببا في الفساد والخيانة والتّخلّي عن الواجبات، والسّطو على الحقوق، جرّاء فقد الثّقة بين النّاس، هي جديرة بمدارستها، وعرضها على الحالة التي تمرّ بها أمّتنا، ويعيشها شبابنا.

نتأمّل بعد ذلك المقترحات التي عرضها في ختام المقال، هي من شأنها أن تنمّي في الإنسان الثّقة بالنّفس، وتسهم في توفير السّعادة في الدّنيا والآخرة. نستأنس بها لمعالجة أوضاعنا الرّاهنة، لاسترجاع الثّقة في نفوسنا، وإنقاذ شبابنا من الحيرة والتّيه، ودفع ناشئتنا إلى العمل والإبداع، والخروج من دائرة التّخلّف، والدّخول في مضمار المنافسة على فرض الوجود، وإثبات الذّات، وتمييز الهويّة.

٥٧ / ١٠٠