حكم قراءة السورة في الظهرين أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حكم قراءة السورة في قراءة السر

الجزء ١ · صفحة ١٩

.

…وإذا علمتم هذا فأي غرابة تبقى من صنيع أصحابنا إذ لم يأخذوا بالروايات الواردة بقراءة ما زاد على أم القرآن في الظهرين، مع ما في تلك الروايات من الاضطراب والاختلاف، وما يدعو إلى الشك والريبة فيها؟

ولو أخذنا نتأمل ما بين هذا الذي عولوا عليه في عدم الأخذ بها، ومع ما عول عليه غيرهم في ترك الأخذ بروايات صحيحة الأسانيد حسب معايير أهل الحديث لوجدنا بونا شاسعا، فإن معول أصحابنا في تركهم العمل بتلكم الروايات كان أقوى مأخذا وأجلى تعلة، بينما ردّ غيرهم للكثير مما ردوه كان مبنيا على ما هو أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، على أن ما ورد في قراءة ما زاد على الفاتحة لا يعدو أن يكون فعلا يحكى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه من ترك العمل بروايات صحت أسانيدها معظمه أقوال منقولة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا يخفى ما بين أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم من التفاوت في قوة الدلالة، إذ لا خلاف أن القول أدل على الحكم ، وأبين حجة من الفعل.

ومع هذا كله فإنا تقول: بأن هذه الروايات كلها لم تتجاوز مرتبة الآحاد، ولا يسوغ فيها وفي أمثالها أن يفرض أحد قناعته على غيره؛ لأن ما ينقدح في الأذهان تجاهها يتفاوت بتفاوت التفكر والإمعان، ويترتب على ذلك أن يكون في وجدان مجتهد ما ليس في وجدان غيره، وإنما الكل يطالب أن يتبع النهج الذي يراه أصح وأسلم وأوفق لمقتضيات العقول وأصول الشريعة، وقد أشار إلى هذا الأستاذ الإمام محمد عبده حيث قال:

…"ليس لهؤلاء –أي الذين ثبتت عندهم الرواية بعد التحري والتمحيص- أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم؛ فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتى يكون له عن المنقول عنه في الحال مثل ما للناقل معه، فلا بد أن يكون عارفا بأحواله وأخلاقه ودخائل نفسه، ونحو ذلك مما يطول شرحه وتحصل الثقة في النفس بما يقول القائل" اهـ.

١٩ / ٢٢