أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)
الجزء ١ · صفحة ١٣٨هذا الخيط النفسي الرقيق الذي يربط بين أجزاء النونية، فلا تشعر بأنَّ الشاعر ينتقل من موضوع إلى آخر، أو من محور إلى محور، إلا إذا تعملت وبحثت، وأنت بعد بحثك يبهرك الشاعر بحسن التخلص، بل الالتحام الذي يستخدم فيه أدواته الفنيَّة، فلا تستطيع أن تتبين الخط الفاصل بين أجزاء القصيدة، تماما كما يفعل الرسام الماهر حين يلجأ إلى رسم جدارية ضخمة، فالعمل يضطره إلى فصل لوحته إلى أجزاء عند التنفيذ، ولكن المتأمل فيها لا يستطيع أن يتبين مواطن الفصل فيها، لأنَّ براعة الرسام تخفي ذلك بالألوان والظلال واللمسات الفنية الحاذقة.
إنَّ حسن التخلص وسيلة بارعة يتخذها الشاعر ليضفي على قصيدته الوحدة العضوية، فهو يتخذ من البرق وسيلة للوصول إلى هذا الهدف، فنجده ينتقل من وصف البرق إلى وصف مواجده وأحزانه، واتخذه خلوصا إلى موضوع آخر أفاض فيه المشاعر، وأثار الأحاسيس، حيث يشكو آلام الاغتراب وتباريح الشوق، واسمعه يقول:
معاهد شاقني منها محاسنها إن شاق غيري آرام وغزلان لها على القلب ميثاق يبوء به إن باء بالحب في الأوطان إيمان نزحت عنها بحكم لا أغالبه هل يغلب القدر المحوم إنسان (174)
174 - الديوان، ص 300.
-
133 -
-