أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

ومن هنا فإنَّ الحنين بقسميه المكاني والزماني يغدو من أقوى الاتجاهات في شعر أبي مسلم حنين إلى عُمان التي كتب عليه أن يعيش ثلثي حياته بعيدا عنها، وحنين إلى تاريخ عُمان الذي يرى فيه جزءًا من نفسه، ومثالية لشخصيته.

هذا الحنين الدائم، والشوق الأبدي إلى الوطن، وكل ما يمت إلى الوطن بصلة طبع شعره في هذا الاتجاه بالصدق، لأنَّ الشاعر عندما يندفع إلى الكتابة فيه يندفع بباعث داخلي، واستجابة لهاجس نفسي لا يزال متونبا بين حناياه لا يعرف الهدوء ولا السكينة حتى ينفس عن كربته عن طريق الشعر، وكأنَّ الشعر عندئذ يغدو متنفسًا طبيعيا لهذا الجيشان الذي تضطرب به أحناؤه؛ ومن ثمَّ فإنَّ كلَّ نأمة أو حركة أو منظر له علاقة بوطنه - قد تكون هذه العلاقة حسيَّة أو معنوية ــ تستطير في فؤاده نوازع التذكر والحنين.

فالبرق إن لاح من أفق الوطن يتحول إلى نار تلهب أحشاءه، حتى

ولو نزل بعدها الماء الغزير، والغدير النمير.

تلك البوارق حاديهن مرنان فما لطرفك يا ذا الشجو وسنان إن هيج البرق ذا شجو فقد سهرت عيني، وشبت لشجو النفس نيران وصير البرق جفني من سحائبه يا برق حسبك ما في الأرض ظمآن (211)

إنَّ الحنين إلى الوطن يفجر الدموع في عينه كما يفجر البرق الأمطار في السحب، وفي شرق إفريقيا - بحكم وجودها في خط الاستواء ـــ تغدو

211 - الديوان، ص 299.

160