أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

وهذا الحضور الدائم للوطن في أعماق الشاعر هو الذي ضخم مأساة الاغتراب لدى الشاعر فأصبح لا يرى ببصيرته، ولا يتطلع إلى التشوف بإنسان عينه، وإنَّما يتطلع إلى المعايشة بكل خلجات نفسه.

هي

معاهد شاقني منها محاسنها إن شاق غيري آرام وغزلان لها على القلب ميثاق يبوء بها إن باء بالحب في الأوطان إيمان نزحت عنها بحكم لا أغاليه لا يغلب القدر المحتوم إنسان كانني واغترابي والغرام بها حي قضى خلفته بعد أحزان النوى جعلتني في محاجرها مثل الخيال وروحي ثم جثمان أعيش في غربة عيش السليم على رغمي، وليس إلى الترياق إمكان (213) إنَّ أبا مسلم يكابد شوقًا مبرحا عظيما، ويعاني واقعا على النفس اليما، فقد تحول الشوق المتأجج في أحشائه إلى وطنه صلة روحية قوية صارت مع مرور الأيام عهدًا وميثاقا، ولكنَّ المأساة أنَّ الشوق يزداد لهبا كلما أحس أنَّ العوائق التي أبعدته عن وطنه تزداد حلقاتها استحكامًا، وما كان ليرضى بهذا الواقع الممضُ لولا إيمانه القويُّ أنَّ هذا قدره المحتوم والقدر المحتوم لا يغالبه الإنسان.

وإذا تعود الشعراء أن يتحرك حنينهم إلى الأوطان لأغراض حسية بعضها الشوق إلى الأحبة والحبائب التي رمز إليها ـ على عادة العرب ــــ

-

بالآرام، والغزلان، فإنَّ الذي يحرّك الشوق في قلب أبي مسلم المحاسن لا

213 - الديوان، ص 300.

162 -

-