أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)
الجزء ١ · صفحة ١٦٨الحسن، والمآثر لا الآثار والمعاني لا المباني، لأنَّ الذي يربطه بهذا الوطن
أسمى وأعمق من أن يتمثل في طلل بال، أو غزال أهيف.
ومن هنا يصبح الشاعر أمام معادلة صعبة أطرافها الأساسية: الشاعر والغربة والشوق. الملتهب. إنَّ الشاعر أبا مسلم بين طرفين متجاذبين، الغرام بالوطن من جهة والغربة الحادة المؤلمة من جهة؛ وهو بين الطرفين ممزق الأحشاء جسد بلا روح، بل إنه الميت الحي، أو الحي الميت، إنَّه أشبه شيء بالملدوغ الذي لا يجد إلى الترياق سبيلاً وهو يتقلب على فراش الألم، سيظل - والحال هذه - يموت موتا بطيئًا، فهو بين أنياب الألم الحاد يمضغه مضعا، وهو بين الجزع من الموت المحتوم الذي يراه متقدما نحوه شيئًا فشيئًا، ولا يجد له شافيًا أو منقذا هكذا يجسد أبو مسلم الحنين
من خلال صورة نفسية حية تنبض بالمشاعر، وتتحرك بالأحاسيس. هي النوى جعلتني في محاجرها مثل الخيال وروحي ثم جثمان كأنَّ الغربة ليس لها في عباد الله هدف سوى أبي مسلم، فوضعه في محاجرها قصدًا ومعاينة، حتى أصبح مثل الخيال ضعفا وشوقا، بل حتى انفصل روحه عن جسده، فليس يعيش معه في زنجبار سوى شبح من جسده، لأنَّ روحه حين استقرت بعمان كأنها بذلك نقلت معها جثمانه أيضا؛ وهذه صورة نفسية وتعبير دقيق قلما رأيناه لغير الشاعر.
إنَّ هذا الحنين الجارف إلى وطنه عُمان هو الذي ولد في أعماق الشاعر هذه الصورة التعبيرية المختلفة، وهو موقف يختلف تماما مع موقف بعض الشعراء المهاجرين الذين آثروا زنجبار على وطنهم كما يقول أبو
-
163 -