أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)
الجزء ١ · صفحة ١٨١من هذه النماذج القليلة نلحظ أنَّ الرثاء عند أبي مسلم دافعه ذاتي
يتميز بالصدق، لا يتسم بالإنتحاب والعويل كما نلحظ ذلك في كثير من المراثي الشعرية، بل يتسم بمسحة من الحزن الهادئ، والتفجع الصامت؛ إنَّه حزن مؤمن بقضاء الله وقدره، مؤمن يدرك أنَّ الموت كأس كل الناس شاربوه، بل قد يكون راحة للأنفس التي تعبت من معاناة الألم في الحياة الدنيا، لأنها ليست غايتها ولا هدفها.
ومن ثم نلحظ أنَّ قصائد الرثاء تتحوّل في الأغلب الأعم إلى نصائح وعظات، ومواقف للتأمل والاعتبار، نصائح للإنسان حتى لا يغتر بالدنيا، ومواقف تأملية لاستخراج الحكمة، واستلهام العبرة حتى لا ينساق في الخطا، ويرجع إلى ربه مستغفراً تائبا قبل فوات الأوان. وهو عند الحديث المرئي لا يذرف عليه الدموع باكيا متحسّرًا لذاته، وإنما يبكي فيه عادة الإيمان، والتقوى والفضل، والعلم والعمل الصالح؛ ويبكي فيه أكثر الفراغ الذي سيتركه بعده، في وقت تكون فيه الأمة الإسلامية في حاجة شديدة إليه على النحو الذي فصلناه.
عن
وهذا يذكرنا بخصائص الرثاء عند الشراة، نقول هذا تذكيرا بهذه الرابطة الأصيلة بين أبي مسلم وعقيدة الشراة فهي المنطلق لشعره كما
أوضحنا.
إنَّ رثاء الشراة لم يكن آهات حزن ولا دموع أسى عقيمة، بل كان على قلته ـ حزن المؤمن الصابر، المعتز بالشهادة، المتشوق إلى الظفر بها،
-
176