أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

لأبي مسلم الشاعر التقي نظرات نافذة في شؤون الحياة والناس، وله رؤى شفافة عليها مسحة من الإيمان واليقين الثابت الذي لا تزعزعه الحوادث، ولا تغيره الظروف الزمانية أو المكانية.

وما من شك في أنَّ المال وحب الكسب والجمع منفذ ينفذ منه الشيطان، فيجعل التقي في صراع مع نفسه، ويجعل الشقي مقودًا بشهواته

ولذائذه.

وفي هذه الأبيات حكم غالية، وتجارب مفيدة، تدلُّ على عقل رصين،

ويقين متين.

وأبو مسلم يحدد موقفه من المال منذ البداية، فيقول: إنه لا يأبه للمال، ولا يعطي له قيمة فهو لا يبقي على شيء منه عنده، يسخو به للفقراء والمحتاجين، وينفقه ذات اليمين وذات اليسار؛ وإنما تعود الناس على الضنِّ بما في أيديهم على الغير حرصًا وشراهة، فإنَّ موقفهم هذا خطل في الرأي، وسوء تدبير، لأنَّ البخل لا يمكن أن تزكو معه مزية أو فضل، والفضل لا يزكو إلا مع البذل والسخاء، على أنَّ البذل والسخاء ينبغي أن يبتغى بهما وجه الله الذي يدَّخر ذلك الإنفاق في ميزان الحسنات، وما عند خير وأبقى ومَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ باق، فإذا كان الإنسان حريصًا على الاكتناز فأولى به أن يكتنز الباقي لا الفاني؛ وكل المال يفنى مهما ادخر، وكلُّ ما أنفق في سبيل الله يبقى ولو استنفد.

الله

على أنَّ الله تعالى قد عوّدني - كما يقول الشاعر - تعويضا لكل ما

أنفق في الدنيا قبل الآخرة، فأنا عودته الإنفاق، وهو عودني الإخلاص؛

-

- 192 -