أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

الحق منه، ومع الضعيف حتى: تأخذ الحق له، إن صلاح المملكة في الرفق بالرعية وأخذ الحق منها بغير عنف، والتودد إليها بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم، وصلاح الملك بوزراء الحاكم إذا صلحوا صلح، ولا يثير الفتنة إلا ضغائن تظهرها جراءة عامة واستخفاف خاصة وانبساط الألسن بضغائن القلوب واشفاق مؤسر وأمن معسر، وغفلة مرزوق، ويقظة محروم، ولا يسكن الفتنة إلا أخذ العدّة إلا للمخوف، وإيثار الحد حين يلتذ الهزل والعمل بالحزم وادراع الصبر والرضا بالقضاء، إنك لن تنال من هذه الأمة خير العامة وصرفهم عما اشربت به قلوبهم من الآفات النفسانية والقاذورات الشيطانية حتى تشربهم محبتك، وتشعرهم هيبتك، ولا سبيل لك إلى ذلك إلا بخمس وسائل: إكرام شريفها، ورحمة ضعيفها، وإغاثة لهيفها، وكفّ عدوان عدوها، وتأمين سبيل رواحها وغدوها، واعلم انك تحقدها بقدر ما تفقدها من هذه الخصال (1).

أيها العبد الصالح العدل العدل! قال: زين الله السماء بثلاثة: الشمس والقمر والكواكب، وزيّن الأرض بثلاثة: العلماء والمطر والسلطان العادل»، وما لم يُغل السلطان ملكه بإنصاف الرعيّة خرّب ملكه بعصيان الرعية وأوفى الخير الدين، وأقوى العدد العدل، لا عليك من فساد النيات وخبث الضمائر، إذا حكمت بالعدل لا بالهوى، وفحصت عن الأعمال لا عن السرائر، ولا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان، والعدل حصن وثيق في رأس منيف لا يحطمه سيل، ولا يهدمه منجنيق، والعدل ميزان الله والجور مكيال الشيطان.

رحم

الله أمير المؤمنين عمر، كان يعدل في رعيته ويجور في نفسه، ويطعمهم الطيب ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن ويعطيهم الحق ويزيدهم ويمنع ولده وأهله، أعطى رجلاً عطاءه أربعة آلاف درهم ثم زاده ألفاً فقيل له: «ألا تزيد ابنك عبدالله كما تزيد هذا؟» فقال: «إن هذا ثبت أبوه يوم أحد، وإن عبد الله فرَّ أبوه ولم يثبت».

أوفد سعد ابن أبي وقاص جرير بن عبدالله البجلي الى عمر بالمدينة فقال له عمر:

(2)

كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم كقداح الجعبة منها الأعصل الطائش (2)، ومنها القائم الرائش. قال فكيف سعد لهم؟ قال هو ثقافها الذي يقيم أودها (3) ويعمر أصلها، قال فكيف طاعتهم؟ قال يصلّون الصلاة لأوقاتها، ويؤدون الطاعة إلى ولاتها، قال الله

(1) في هذه الفقرة يتبيّن بجلاء عمق فكر أبي مسلم وبعد نظره السياسي والاجتماعي.

(2) الأعصل الطائش: الأعصل هو السهم الشديد.

(3) أي: هو الذي يقيم اعوجاجها.

- 200 -