أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ٢٠٦

أكبر إذا أقيمت الصلاة أديت، الزكاة، وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة.

أيها العبد الصالح: إن قلوب رعيتك هي خزائنك، فما أودعته فيها وجدته، وانك ورعيتك متلازمان إن صلح أحدكما صلح الآخر، وظلم الرعية استجلاب للبلية، وانك لا تزيل أحقادها إذا اشمأزت بمثل الرفق، ولا تكشف لك عن سوء غيبته ضمائرها بمثل الخرق في السياسة، وهب أنها ثماراً مجتناة وذخائر مقتناة وسيوفاً منتضاة وأحراساً مرتضاة، فان لها نفاراً كنفار الوحوش، وطغياناً كطغيان السيول، ومتى قدرت على أن تقول قدرت على أن تصول، وإنما أيديها تبع لألسنتها، فلن تملك ألسنتها حتى تملك جسومها، ولن تملك جسومها حتى تملك قلوبها، ولا واسطة للاستيلاء على القلوب إلا المساواة بالعدل على الخاص والعام، وتخفيف المؤن والكلف والإعفاء من رفع الأوضاع والأرذال، على أعناق الأشراف والأماثل، وهذه الثلاثة تحقد عليك علية الرعية وتطمع الأوباش في الرتب السنية

أيها العبد الصالح: إن رعيتك ثلاثة أصناف، صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرياسة والسياسة، يعلمون فضل فضيلتك وعظيم عنائك، ويرثون لك من ثقل أعبائك فهؤلاء نصحُك فاستبق مودتهم يبشر اللقاء، واستجلب نصائحهم بحسن الإصغاء، وصنف فيه خير وشر ظاهران فاستصلحهم بالترغيب والترهيب، وصنف سفلة رعاع أتباع لكل داع لا يمتحنون في أقوالهم وأعمالهم بنقد ولا يرجعون في الموالاه إلى عقد، فترك معاقبتهم على صغار الجرائم مدعاة لهم إلى ارتكاب العظائم، فإن أول كلمة المرء كلمة سوء سومحت بها، وأول حوان (1) الدابة حيدة سوعدت عليها، وإنَّ مثار الفتنة أثرة تضغن الخاصة، وافراط حلم بجرئ العامة، والمحمد لها عمل بسيط وهو استقالة العثرة في أولها، وعمل عظيم من فحول الأعمال في آخرها، وهو الصبر.

أيها العبد الصالح: انك في سلطانك الديني بين بحرين عظيمين مخطرين أحدهما: وهو أعظمها وهو بحر الشريعة، فلست والله ناجياً في غمرات هذا البحر حتى تكون سفينتك فيه السيرة المحمدية فتبَصَّر في هذا البحر العميق تبصر يقظ حذر، وليكن سيرك فيه مهتدياً السنة السنيّة، وتوخ الطريق التي سلكها وسلكها خلفاؤه على أمته وأمناؤه على ملّته فاسلكها، ومواقع أقدامه وأقدام الخلفاء المهتدين من بعده لم تعفها

(1) هكذا وردت في الأصل، ولعلها حران الدابة.

- 201 -