أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧السنون، وإن هبَّت عليها ريح البدع وحرفتها سيول الفتن، ولي على أحكام من تولّى نفسه، ولدولتك نصحاء في الدين تحرياً للعدل ووقوفاً على حد القسط وثباتاً على مخالفة الهوى، ورد أحكام حكامك إلى من هو أرفع درجة منهم في العلم وأقوى ممارسة للأحكام والأنفذ بصيرة في المشاكل، وإذا رجع الأمر إليك في قضيّة فشاور فيه علماء وفقهاء المذهب، وناهيك ان الله أمر نبيه بمشاورة أصحابه وهو المصطفى المعصوم، والمختار الموفق والوحي ينزل عليه، وكتابه القرآن فيه علم ما كان وما يكون فأمره بمشاورة ذوي البصائر من الصحابة ليس الخمود بصيرته ولا من مره) درايته ولا لركة رأيه، ولكن علم الله أن كل صدر فيه رأي، وربما وقع لغيره من صواب الرأي موهبة من الله سبحانه ما لم يتفق البشريته، وحسبك بقضية أسارى بدر وما وهب الله
(1)
لغيره من وقوع البصيرة على رأي يطابق الحادثة لا ينقص من مقدار مقامه، والمقامه الدرجة العليا، وله الفضل على كل من عرف الله ومن لم يعرفه، فإن قدر الله انتفاعاً من رأي غيره فلا يعتبر ذلك الغير له فضل عليه:
كالبحر يمطره السحاب وماله من عليه لأنه من مائه وقد أشبعنا الكلام على هذا المقام في كتابنا السياسة بالإيمان ()، فارجع إليه وهاهو موجه إليك كنا ألفنا الكتاب على هذه الوتيرة كما تراه قبل أن يمن الله علينا بظهور دولتك المؤيدة بمشورة وطلب من أعزّ الأصحاب وأحب الأحباب الشيخ / سليمان بن سيف اليعربي، فمن الله تمامه، وعلى أثر إتمامه بأيام جاءتنا البشائر ببزوغ شمس الحق، فكان الواقع هو عين موضوع الكتاب، ولم يتيسر لنا إرساله قبل الأوان الحاضر، وما ذلك إلا لأن بعض الأصحاب ممن نثق به وعدنا بطبعه على نفقته ولرغبتنا الأكيدة في نشره بأقطارنا العمانية، وثقتنا بالوعد الذي أصبح سراباً بقيعة، وهكذا تذهب أموال مذهبنا في غير طائل، وأصعب الأشياء عليهم إنفاقها فيما تعود مصلحته على أهل الدعوة، لا جرم الكتاب أرسلناه إليك وهو عين المسوّدة التي هي بخط يدي، وعسى الله يمن علينا بتوسيع الدولة وقرار الأمور على قواعدها فتتمكنوا إن شاء الله من اتخاذ مطبعة لبيت مال المسلمين تنشر فيه كتب المذهب والنشرات العربية الدينية، وذلك يسهل عليكم ان شاء
(1) مرة: من باب فَرح معناه: فسد، ويقال: رجل مَرِه الفؤاد: سقيم الرأي (القاموس) مادة: مرة.) يشير هنا إلى كتاب له تحت عنوان (السياسة (بالإيمان ولم نره مطبوعاً، ولم نسمع عنه مخطوطاً، ولعل الأيام ستكشف عن هذا الكنز الثمين إلا إن كان القصد هنا بالكتاب الرسالة أو الجواب).
- 202 -